مجلة مال واعمال

الهدر في الموازنة

-

 

د.يوسف منصور

نعلم أن موازنة الحكومة  “رغم ارتفاع نسبة الضرائب والرسوم بالنسبة للناتج المحلي في الأردن” كما قال أحد المسؤولين لا تكفي لتغطية رواتب موظفيها ومعاشات متقاعديها وخدمة دينها مما يضطرها للاستدانة.
لكن؛ ما قد لا يتذكره الكثيرون تصريح وزير المالية في العام 2011 بأن الهدر في الموازنة يتراوح بين 15-20 %، مما يضاعف من حجم المصاب؛ فمن جهة ليس لدى الحكومة ما يكفي لتنفق على ذاتها، ورغم ذلك فإنها تهدر في الإنفاق بقدر يساوي قيمة العجز بل يفوقه، فيتفاقم الدين عام بعد عام دون أن يكون لديها مخرج إلا المزيد من الضرائب والرسوم.
المشكلة في الأساس أن المسؤولين في كثير من المؤسسات الحكومية يبدأون بالإنفاق غير المدروس في نهاية السنة، خاصة إذا ما تباطأوا في إنجاز المشاريع والصرف خلال السنة، خوفا من أن يفقدوا مخصصاتهم في العام القادم، كما أن الإنفاق غير المربوط بالإنجاز في إعداد الموازنة كان ولا يزال يتم بناء على البيانات التاريخية واحتساب نسبة نمو محددة، وعمليات تفاوض مضنية بين الوزارة والمؤسسات والوزارات الحكومية الأخرى معتمدا على القدرة على الإقناع لأنه لا يوجد ربط بين الأهداف الوطنية والتخطيط الاستراتيجي المؤسسي والموازنة، كما لم تركز الموازنة العامة على مخرجات الإنفاق، وإنما كانت تركز أكثر على المدخلات دون مراعاة وجود رؤية مالية واضحة وعجز مستهدف.
أيضا، لم تكن أوجه الإنفاق واضحة بشكل محدد وكانت في الغالب تتسم بالعمومية، حيث إن تصنيف بنود الموازنة لا يحقق الشفافية وسهولة التعامل مع البيانات.
ولم تكن النفقات مبنية على أساس التصنيفات المعتمدة دوليا، وبالتالي لم يكن هنالك دقة ووضوح كافيان في أرقام الموازنة لأنها تعتمد على الإجماليات، وعليه فإنه لا يمكن ضبط النفقات وترشيدها لأن التفاصيل غير موجودة، وخاصة أن النفقات الجارية تشكل الجزء الأكبر من الإنفاق في الموازنة العامة.
لذا أنفقنا من غير إنجاز، وعانينا من عدم الكفاءة في التحصيل (للحكومة حوالي 1.5 مليار دينار ضرائب غير محصلة بدلا من تحصيلها ممن لم يدفع تقوم برفع معدلات الضرائب على من يدفع)، ووضعنا حوافز ضريبية للقطاعات من غير دراسة، فبينت الدراسات لاحقا عدم نجاعتها وهدر المال العام دون مقابل، وتنامى الدين ورفعنا الضرائب والرسوم في أوقات صعبة على الوطن والمواطن، ووقفنا تائهين أمام ما سنفعل لتمكين بنية تحتية ومؤسسات ومرافق متهالكة مهترئة من مسايرة العصر.
صارت النفقات الحكومية تنمو في سنين الطفرة وتتراجع في سنين الشدة، فتكون بذلك مجارية للدورة الاقتصادية، وهو توجه معاكس للسبل المستخدمة في إدارة الاقتصاد في الدول المتقدمة والتي توصي بأن تعاكس السياسة المالية الدورة الاقتصادية؛ فإن بدأت بوادر التراجع الاقتصادي بالظهور نشط الإنفاق الحكومي، وبالعكس، بهدف تسريع وتيرة النمو.
الحكومة لم تقف ساكنة إزاء هذا الهدر، خاصة وأن وزارة المالية منذ سنين بمواجهة صعوبات في تمويل المشاريع والنفقات من ميزانية الحكومة، لأن التقارير المالية لديها لم تكن دقيقة في الغالب، لذا استعانت بخبرات ودعم الدول المانحة للتعامل مع هذا الهدر على مدى السنين، وأنفق على محاولات إصلاح المالية العامة أكثر من 100 مليون دولار، ولكن دون إنجاز فعلي يذكر، حيث إن النظام الذي اقترح لتفعيل إدارة الايرادات والتفقات والتقليل من الهدر لم يطبق حتى الآن، وبذلك فكأن الهدر تم أيضا في أموال المعونات.
حسب آراء الخبراء ونبض الشارع ومقابلات تمت مع أناس من شمال الأردن وحتى جنوبه على برنامج “مالنا”، كان الواضح أننا بحاجة الى حوار وطني حول الإيرادات والنفقات ومدخلاتها ومخرجاتها من مصادر وأثر، وكيف ننمي الاقتصاد، وكيف نكافئ، وكيف نحاسب، بل وكيف نعاقب.. نريد شفافية كاملة وإيصال المعلومة للمواطن.