الشيخ مانع… حين كانت المروءة جزءا من القيادة

بقلم : محمد فهد الشوابكه

في الأزمنة القديمة، لم يكن الناس يخلّدون الرجال لمجرد المناصب، بل لما يتركونه من أثرٍ في النفوس.
كانت قيمة الرجل تُقاس بما يحمله من مروءة، وما يزرعه من هيبةٍ واحترام، وما يقدمه لأهله وبلده من مواقف تبقى بعد غيابه، ولهذا بقيت بعض الأسماء حيّة في الذاكرة الخليجية، مهما مرّت السنوات وتبدلت الوجوه.

وكان الشيخ مانع بن راشد واحدا من تلك الأسماء.
لم يكن حضوره مقتصرا على السياسة وحدها، رغم أنه كان من أوائل الذين تحدثوا مبكرا عن فكرة اتحاد الإمارات والحاجة إلى كيانٍ يجمعها ويحمي مستقبلها.
بل كان أيضا رجل مجلس وأدب وهيبة، تترك شخصيته أثرا فيمن يقترب منه، حتى تحولت صورته في ذاكرة معاصريه إلى نموذج للرجل الذي يجمع بين القوة والخلق والكرم.

وقد نشرت مجلة الكويت في إحدى موادها القديمة حديثا عن الشيخ مانع، تضمن إشادة واضحة بمكانته وأثره في نفوس معاصريه، كما أوردت قصيدة كتبها الأديب الفاضل عبدالله بن علي آل الصانع، عبّر فيها عن تقديره وإعجابه بشخصية الشيخ مانع، فجاءت الأبيات وكأنها ترسم صورة رجلٍ جمع بين الهيبة والمروءة والأصل الكريم.

قال الأديب عبدالله بن علي آل الصانع :

أهلاً بذي الأمر رب السيف والقلم
وذي المروءة والمعروف والكرم

شبل الأماجد لم تذمم طرائقه
إنسان عين بني مكتوم كلهم

نمته للمجد آباء إذا نسبوا
كانوا لقحطان أعلى ذروة العلم

ومنذ الأبيات الأولى، يبدو الشيخ مانع في صورة الرجل الذي جمع بين الحزم والأدب (رب السيف والقلم)، وهي صورة نادرة لا يجتمع فيها إلا من امتلك قوة الشخصية ونبل الأخلاق معًا.
ثم ينتقل الشاعر إلى الحديث عن أصله ومكانته بين قومه، وكأن المجد في نظره امتداد طبيعي لبيتٍ عُرف بالشرف والقيادة.

لكن أكثر الأبيات تأثيرا كانت تلك التي ربطت حضوره بمدينة دبي نفسها، حين قال :
يا بدر يا من غدت من بعد غيبته
دبيٌّ تعتام في داجٍ من الظلم

اليوم ها قد أراها عند مقدمه
تجرّ تيهاً ذيول الفضل والنعم

في هذه الصورة الشعرية شيءٌ يتجاوز المديح التقليدي؛ فالشاعر لا يتحدث عن رجل عاد إلى مجلسه فقط، بل عن حضورٍ يعيد الطمأنينة والبهجة إلى المكان، وكأن دبي في غيابه كانت تبحث عن شيءٍ ينقصها، فلما عاد عادت معها الأنوار والطمأنينة والفخر.

ثم يختتم القصيدة بدعاءٍ يحمل صدق المحبة أكثر مما يحمل التكلف:

قدمت بالسعد يا مولاي لست ترى
واسلم ودمْ للعلى والمجد والحكم

اهنأ بمقدمك الميمون طالعه
أنى اتجهت سوى الخيرات عن أمم

اهنأ بمقدمك الميمون طالعه
واسلم ودمْ للعلى والمجد والحكم

وحين تُقرأ هذه الأبيات اليوم، فإنها تكشف جانبا مختلفا من شخصية الشيخ مانع؛ جانب الرجل الذي لم يكن حضوره سياسيا فقط، بل إنسانيا أيضا … رجلٌ رآه معاصروه رمزاً للمروءة والهيبة والكرم، حتى تحولت عودته إلى مناسبة تُكتب لها القصائد.

ولعل هذا ما يجعل الحديث عن الشيخ مانع مختلفا عن الحديث عن كثيرٍ من رجال تلك المرحلة.
فبعض الشخصيات تبقى في الوثائق الرسمية فقط، بينما هناك شخصيات تبقى في ذاكرة الناس … في القصائد وفي المجالس وفي الحنين إلى زمنٍ كانت فيه القيم جزءا من صورة القائد.

لقد كان الشيخ مانع بن راشد واحدا من أولئك الرجال الذين يشبهون زمنهم الجميل… زمنٍ كان فيه المجد مقرونا بالأخلاق، وكانت المروءة تُذكر قبل السلطة، وكان الرجال يُحفظون في القلوب قبل الكتب.