تشتغل الحباشنة على فكرة بسيطة في ظاهرها، معقدة في تنفيذها: كيف يمكن لمؤسسة أكاديمية في بيئة محدودة الموارد أن تنافس عالميًا؟ الإجابة جاءت عبر ثلاث ركائز متداخلة: التدويل، التحديث المعرفي، وإعادة هندسة التجربة التعليمية
لم يكن إدخال طب الأسنان الرقمي إلى المناهج مجرد تحديث تقني، بل إعادة صياغة لطبيعة العلاقة بين الطالب والمعرفة، بحيث يصبح جزءًا من منظومة رقمية تفاعلية تحاكي الممارسة السريرية المستقبلية لا الماضية، مع تعزيز التعليم القائم على الدليل وربط المعرفة بالتطبيق السريري.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، خلفه تراكم علمي ومهني ممتد، من التدريب السريري المتقدم في الولايات المتحدة إلى نيل صفة دبلومايت البورد الأمريكي في أمراض اللثة (American Board of Periodontology) عام 2005 و زماله كليه الجراحيين الملكيه الايرلنديه ، إلى جانب البورد الأردني في نفس التخصص، وصولًا إلى سجل بحثي واسع في مجالات أمراض اللثة وزراعة الأسنان والعلاقة بين صحة الفم والأمراض الجهازية.هنا، يتحول “الترتيب” من هدف إلى نتيجة.
غير أن اللافت في مسيرتها ليس عدد الإنجازات بقدر ما هو قدرتها على تحويل الخبرة الفردية إلى سياسة مؤسسية، مدعومة بخبرة إدارية واسعة شملت مواقع قيادية مثل نائب عميد الكلية، ورئاسة أقسام أكاديمية، وإدارة مركز تعليم صحة الفم والأسنان.
فالشراكات التي أبرمت مع جامعات عالمية مرموقة لم تُصمَّم كعلاقات بروتوكولية، بل كمنصات فعلية لتبادل المعرفة، وتطوير البرامج، ورفع جودة التدريب، بما يعزز جاهزية خريجي طب الأسنان للممارسة المهنية وفق المعايير الدولية.
في سياق التعليم العالي العربي، حيث غالبًا ما تُختزل الجودة في التصنيفات، تبدو تجربة الحباشنة أكثر تعقيدًا. صحيح أن الكلية حققت تقدمًا ملحوظًا في التصنيفات العالمية، لكن القيمة الحقيقية تكمن في البنية التي أنتجت هذا التقدم: برامج دراسات عليا جديدة تستجيب لحاجات السوق، ومسارات تدريب دولية للطلبة، وتطوير مستمر للبرامج الأكاديمية واستحداث مسارات تعليمية في التخصصات الدقيقة في طب الأسنان والحصول على دعم خارجي للابحاث والكليه.
ثمة بعد آخر في تجربة الحباشنة يتعلق بإدارة المعرفة داخل المؤسسة. فالإشراف على عشرات الرسائل العلمية، والمشاركة في هيئات تحرير مجلات متخصصة، لا يعكسان فقط حضورًا بحثيًا، بل يسهمان في تشكيل اتجاهات البحث ذاتها، خصوصًا في مجالات مثل العلاقة بين أمراض اللثة والأمراض الجهازية، إضافة إلى دورها كمحكّم علمي في عدد من المجلات الدولية.
هذا النوع من الاشتغال يضعها في موقع المنتج للمعرفة، لا المستهلك لها، ويتعزز ذلك من خلال مشاركتها في اللجان الوطنية المتخصصة، بما في ذلك المجلس الطبي الأردني ولجان البورد في اختصاص أمراض اللثة، إلى جانب عضويتها في مجالس أمناء مؤسسات أكاديمية، ومساهمتها في دعم الحوكمة والتخطيط الاستراتيجي في التعليم العالي.
ليست السيرة المهنية للدكتورة رولا الحباشنة مجرد تدرّج أكاديمي تقليدي، بل مشروع متكامل لإعادة تعريف موقع التعليم الطبي في الأردن داخل الخريطة العالمية، مدعومًا بخبرة في تطوير البرامج الأكاديمية والمساهمة في تحديث سياسات التعليم والتدريب في طب الأسنان.
من موقعها عميدةً لكلية طب الأسنان في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، تقود الحباشنة تحولًا هادئًا لكنه عميق، عنوانه الانتقال من الاكتفاء المحلي إلى التأثير الدولي القابل للقياس، مع الإسهام في ترسيخ ثقافة الجودة والاعتماد الأكاديمي، وتعزيز التكامل بين البحث العلمي والممارسة السريرية.


