الوقود الأحفوري وبدائله

17 سبتمبر 2012 آخر تحديث : الأحد 23 سبتمبر 2012 - 12:08 مساءً

د. غازي سفاريني

علمنا من العدد السابق أن استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري كمصدر رئيس لإمدادنا بالطاقة يثير هموما بيئية واستراتيجية ناهيك عن كونه مصدرا غير متجدد. وفي العقود القادمة سيزداد الطلب على هذه السلعة بينما يتناقص ما هو متوفر منها وما يتم اكتشافه قليل أيضا. ولتقليل حدة المشكلة المتوقعة لا بد من رفع كفاءة الأجهزة التي يشغلها الوقود الأحفوري كما أنه لا بد من ترشيد الاستهلاك بهدف استدامة الوقود الأحفوري ريثما يتم تطوير تقنيات أكثر فاعلية تعتمد مصادر طاقة بديلة. والسؤال المطروح هنا ما هي المصادر البديلة للوقود الأحفوري الممكن اللجوء إليها للتخفيف من حدة المشكلة ومعالجتها؟ والجواب على ذلك أن هنالك العديد من المصادر البديلة من مثل الطاقة الحيوية والكهرومائية والنووية والجوفية والشمسية وطاقة الرياح وطاقة المد والجزر. وفيما يلي لمحة عن كل نوع من هذه البدائل.

1- الطاقة الحيوية Biomass Energy نحصل على هذا النوع من الطاقة من الكائنات الحية أو من مخلفاتها. ويمكن استخدامه وهو في الحالة الصلبة لأغراض التدفئة وإنتاج الكهرباء كما يمكن تحويله إلى الحالة السائلة أو الغازية لاستخدامه في التطبيقات المختلفة. ففي أيامنا الحالية تعالج مخلفات صناعة السكر في البرازيل لإنتاج كحول الإيثانول الذي يستخدم كوقود للسيارات. وفي الولايات المتحدة الأمريكية ينتج الإيثانول من مخلفات الذرة كما ينتج الديزل الحيوي Biodiesel من فول الصويا وشحوم المطاعم (زيت القلي). في حين ينتج الديزل الحيوي في أوروبا من زيت الكانولا Canola. ومن مصادر الطاقة العضوية الأخرى الفحم المنتج من مخلفات عصر الزيتون وغاز الميثان المولد من روث الحيوانات.

2 – الطاقة الشمسية Solar Energy

كيف يتحول الوقود الاحفوري

الطاقة الشمسية مصدر من مصادر الطاقة المتجددة وغير القابلة للنفاد. وتمتاز عن غيرها من بقية المصادر في دعمها للحياة وضرورتها للأنظمة البيئية المختلفة، ولا تثير هموما استراتيجية ولا بيئية. فحسبك أن تعلم أن ما يصل يوميا منها يغطي استهلاك سكان الأرض البالغ عددهم حاليا حوالي ستة بلايين من البشر لمدة سبعة وعشرين عاما. وقد بدأ الإنسان منذ عهد قريب في استخدام هذه الطاقة لأغراض تسخين المياه وإنتاج الطاقة الكهربائية  وتدفئة المنازل (الأشكال 12-7 ، 12-8). وما يعاب على هذا النوع من مصادر الطاقة كونها مخففة ولا بد من تركيزها كما أنه يصعب تخزينها. وأنسب المناطق وأكثرها تأهلا للاستفادة من هذا النوع من مصادر الطاقة المناطق الجافة وشبه الجافة. ويتم إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية  إما باستخدام الخلايا الكهروضوئية أو عن طريق تركيز الأشعة الشمسية واستغلال طاقتها الحرارية. والنوع الأول من الطاقة المنتجة مناسب للاستخدام في تشغيل الساعات والكالات الحاسبة وتزويد المركبات الفضائية بالكهرباء. أما النوع الثاني فيستخدم في إنتاج الكهرباء للتجمعات السكنية القروية. وتتضمن التقنية المستخدمة هنا تركيز وتجميع الطاقة الشمسية وتمرير الحرارة المتجمعة إلى مولدات تقليدية لإنتاج الكهرباء. وللمزيد من التوضيح، تتكون محطات إنتاج الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية من جزئين رئيسين. أحدهما يجمع الطاقة الحرارية والثاني يحول الحرارة المتجمعة إلى كهرباء. ويجري جمع الطاقة الشمسية باستخدام لواقط أسطوانية أو كروية أو مرايا عادية (الشكل 12-9) وتوجيهها بإتجاه مستقبلات Receivers تحتوي على ملح مصهور Molten Salt تبلغ درجة حرارته أكثر قليلا من 300 درجة مئوية. وفي المستقبلات ترتفع درجة حرارة الملح بفعل تركيز أشعة الشمس عليها إلى حوالي 550 درجة مئوية. يضخ الملح المصهور بعدها إلى جهاز ينتج البخار فترتفع بذلك درجة حرارة البخار بحيث يصبح قادرا على تشغيل المولدات الكهربائية. ثم يعاد ضخ الملح المصهور إلى تنكات للتخزين  كي يعاد تسخينه من جديد في اللواقط. لقد أدت هذه التكنولوجيا الحديثة إلى رفع كفاءة إنتاج الطاقة الكهربائية باستخدام الطاقة الشمسية.

3 – الطاقة الجوفية Geothermal Energy تنبع الطاقة الجوفية من باطن الأرض حيث تصل درجات الحرارة في الأعماق السحيقة إلى مستويات قادرة على صهر الصخور وتكوين الماغما. ويمكن استغلال ما هو متوفر منها على الأعماق الضحلة حيث درجات الحرارة أكثر انخفاضا. ويمكن أن تصل الطاقة إلى سطح الأرض على شكل بخار أو ماء ساخن. وفي النصف الثاني من القرن المنصرم بدأ استغلال هذا النوع من الطاقة. ففي كايسلندا مثلا تستخدم الطاقة الجوفية في تدفئة المنازل وفي تدفئة البيوت الزجاجية وفي إنتاج الطاقة الكهربائية. ومن البلاد الأخرى التي تستغل فيها الطاقة الجوفية كل من إيطاليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة الأمريكية واليابان. وما يهمنا هنا هو إنتاج الطاقة الكهربائية. والتقنية المستخدمة لذلك تعتمد على الشكل الذي تتوفر عليه الطاقة وكونه بخار أم مياه ساخنة أم مياه ذات درجة حرارة منخفضة نوعا ما. فإذا كان المتوفر بخارا يتم ضغطه ثم يساق مباشرة لتحريك التوربينات التي تقوم بدورها بتحريك المولدات الكهربائية كما في الشكل 12-10. أما إذا كان المتوفر ماءً ساخنا تزيد درجة حرارته عن 200 درجة مئوية يتم إدخاله إلى تنكات ذات ضغط أقل كي يتحول إلى بخار. والبخار الناتج يستغل لاحقا في توليد الكهرباء كما هو معروف. كما يمكن أن تستغل المياه ذات درجات الحرارة المنخفضة (أقل من 200 0م) مباشرة في تسخين المياه لأغراض التدفئة وتربية الأسماك وتدفئة البيوت الزجاجية. وتعتبر الطاقة الجوفية رفيقة بالبيئة حيث لا ينفث إلى الغلاف الجوي من مواقع استغلالها إلا النزر اليسير من الملوثات كما أن الاعتماد عليها، إذا كانت متوفرة، يقلل من كميات الوقود المستورد. وفي هذا تقليل للعجز التجاري للبلد المنتج لهذا النوع من الطاقة الشيء الذي سينعكس إيجابا على الاقتصاد.

4 – الطاقة النووية Nuclear Energy الطاقة النووية طاقة حرارية مختزنة في أنوية ذرات العناصر. وتتحرر هذه الطاقة من عقالها خلال ظاهرة النشاط الإشعاعي التي تريها بعض العناصر من مثل U 235 ، U 238 ،  Th 232. كما يمكن تحريرها عن طريق التفاعلات النووية الانشطارية والاندماجية Fission and Fusion. والنوع الأول من التفاعلات هو المستخدم فعليا في إنتاج الطاقة الكهربائية كونه قابل للتنفيذ بينما لا يتوقع استخدام النوع الثاني من التفاعلات قبل منتصف القرن الحادي والعشرين نظرا لصعوبة تنفيذه. بداية نعني بالانشطار أن تنقسم الذرة إلى ذرتين كتلتهما أصغر من كتلة الذرة الأصلية (الشكل 12-11). وفرق الكتلة هذا هو الذي يتحول إلى طاقة حرارية. ويتم إحداث الانفجار عن طريق قذف الذرات المشعة بالنيوترونات. يؤدي هذا بدوره إلى تسريع عملية التحلل الإشعاعي وتحرير الطاقة. والمكان الذي يتم فيه ذلك هو المفاعل النووي. والذرة الأكثر قابلية للانشطار هي ذرة نظير اليورانيوم 235 (U 235). وهي الأكثر استخداما في المفاعلات النووية في أيامنا الحالية. تحتوي خامات اليورانيوم على مزيج من النظيرين U 235 ، U 238   وأقلهما شيوعا هو النظير  U 235. لذا لا بد من تخصيب هذه الخامات من أجل استخلاص النظير الأقل شيوعا. بعد استخلاصه يحول اليورانيوم 235 على شكل أقراص خزفية طول القرص الواحد منها  2.5 سم تقريبا. تسمى هذه الأقراص الوقود النووي. ويكفي أن تعلم أن شطر 1غم من اليورانيوم 235 ينتج كمية من الحرارة تعادل ما ينتجه حرق 13.7 برميل من النفط (الشكل 12-12). يتم التحكم في التفاعلات الانشطارية ومراقبتها بأنظمة مختلفة تجعل محطة الطاقة النووية مكانا كامنا للعمل (الشكل 12-13). فالوقود النووي المجمع في قضبان يجري إدخاله في مفاعل من الفولاذ أو الجرافيت المغمور كلية  بالماء. ثم يقذف الوقود بالنيوترونات. والطاقة المتحررة تعمل على تحويل الماء إلى بخار يعمل بدوره على تشغيل التوربينات المحركة للمولدات الكهربائية. ولكي لا تفقد السيطرة على التفاعلات النووية الانشطارية داخل المفاعل يجري امتصاص النيوترونات الزائدة أو المتحررة من الانشطار النووي بفعل مواد ماصة داخله. أهم ما يميز الطاقة النووية عن طاقة الوقود الأحفوري عدم انبعاث الغازات الضارة بالبيئة كما هو الحال عند حرق الوقود الأحفوري. إلا أن العادم النووي تنبعث منه إشعاعات ضارة بالبيئة لذا لا بد من عزله وعدم السماح له بالدخول إلى نظامنا البيئي حتى تخبو ظاهرة النشاط التي يمتاز بها. وأهم ما يميز العادم النووي هذا صغر حجمه وفقده 50% من طاقته الإشعاعية في خلال ثلاثة أشهر تقريباً وحوالي 50% من طاقته الإشعاعية في خلال سنة من تاريخه. والهم الأكبر الملازم لاستخدامنا للطاقة النووية كمصدر بديل من مصادر الطاقة هو احتمالية وقوع حوادث غير متوقعة يمكن أن تؤدي إلى تسرب الإشعاعات الضارة كما حدث في مفاعل تشيرنوبل في أوكرانيا.

5 – الطاقة الريحية Wind energy يؤدي الاختلاف في درجات تسخين سطح الأرض بفعل أشعة الشمس الساقطة عليها ابتداء من خط الاستواء وحتى الأقطاب إلى تكون التيارات الريحية. وقديماً استغل الإنسان طاقة الرياح هذه في الإبحار على طول الأنهار وفي البحار والمحيطات. كما استخدم المزارعون هذا النوع من الطاقة في ضخ المياه وطحن الغلال. وفي أيامنا الحالية يستفاد من طاقة الرياح بالإضافة إلى كل ما ذكر في توليد الطاقة الكهربائية. وفي المناطق التي تهب عليها الرياح بسرعة 20 كم/الساعة أو أكثر يمكن الاستفادة من طاقتها الحركية في توليد الكهرباء (الشكل 12-14). ويتألف الجهاز المستخدم لذلك من برج ومروحة ونظام لتحويل الطاقة الحركية إلى طاقة كهربائية أي مولد كهربائي. وتزود الوحدة الواحدة من هذا النوع منزلاً بكافة احتياجاته من الطاقة الكهربائية. وعندما تقام مجموعة كبيرة من المراوح في مكان ما نحصل على ما يسمى بالمزرعة الريحية Wind Farm. وحديثاً شاع استخدام هذا النوع من الطاقة في كل من ألمانيا وأمريكا وإسبانيا. وفي الأردن تجري التجارب الكان على توليد الطاقة الكهربائية من الطاقة الريحية في كل من جرف الدراويش ، وسط الأردن ، وبالقرب من بلدة الطيبة في الشمال. وهذا النوع من مصادر الطاقة رفيق بالبيئة ولا يصدر عنه أي غازات ملوثة. على أن بعضاً من أنصار البيئة يرون في استخدام هذا النوع من مصادر الطاقة تهديد للطيور ومصدرا للضجيج كما أن أية فائض منه يصعب تخزينه. ومن الحلول المقترحة بهذا الصدد هو توريد الطاقة الكهربائية الفائضة إلى شبكة الكهرباء الرئيسة. وعندما تخف سرعة الرياح تؤخذ الكهرباء من جديد من الشبكة الرئيسة.

6 –  الطاقة الكهرومائية Hydroelectric Power لقد استخدمت المياه المتحركة عبر التاريخ في تدوير عجلات خشبية ضخمة كانت تدير بدورها مطاحن الحبوب والذرة. وفي القرن التاسع عشر اكتشفت التوربينات المائية واستخدمت في إنتاج الطاقة الكهربائية. ومنذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا ازداد استخدام هذا المصدر من مصادر الطاقة وأصبحت بعض الدول تنتج منه معظم احتياجاتها من الكهرباء كالنرويج والبرازيل. وفي العالم العربي بنيت السدود في كل من مصر وسوريا واستخدمت في إنتاج الكهرباء (الشكل 12-15). وعلى الرغم من أن إنتاج الكهرباء بهذه الطريقة يعتبر بديلاً لا بأس به للوقود الأحفوري إلا أن إقامة السدود لبناء محطات توليد الطاقة الكهربائية يمكن أن يواكبه أضرار بيئية من نوع مختلف كإعادة توطين السكان الذين يقطنون في المناطق التي ستغمرها مياه السدود وتدمير النظام البيئي وترسيب كميات هائلة من الطمي والغرين. فمثلاً قبل إقامة السد العالي كانت مياه الفيضانات الموسمية تزود دلتا نهر النيل بالطمي والغرين الضروريان لتزويد التربة بالعناصر الغذائية المهمة. ولكن ترسيب الطمي والغرين خلف السد العالي أدى إلى إفقار تربة الدلتا بالمواد الغذائية الضرورية لذا اقتضت الحاجة إضافة الأسمدة والمخصبات مما أدى إلى تمليح التربة. ومن الأخطار البيئية المتوقعة أيضاً فشل السدود وحدوث الفيضانات المدمرة.

7 –  طاقة المد والجزر Tidal Energy تعلمت في الفصل السابق كيف يحدث المد والجزر والسؤال المطروح هنا لماذا لا تستغل الطاقة المحركة لذلك؟ والجواب على ذلك أنه قد جرى فعلاً استغلال هذا النوع من الطاقة في بريطانيا لتشغيل مطحنة للغلال في النصف الثاني من القرن الثاني عشر. ومن سوء الحظ أن طاقة الأمواج يجري تشتيتها على معظم شواطئ بحار العالم إلا من مواقع خاصة يبلغ فيها الفرق بين المد الأعلى والمد الأدنى ثمانية أمتار. في مثل هذه المواقع يمكن استغلال الفرق بين المدين في توليد الطاقة الكهربائية. ومثل هذه المواقع موجود في كل من فرنسا وهولندا وكندا. يعتبر مثل هذا النوع من الطاقة من المصادر المتجددة ومغرٍ للاستخدام كونه رفيق بالبيئة وغير ملوث لها. إلا أن أثر استخدامه على البيئة البحرية ما زال غير واضح.

د. غازي سفاريني قسم الجيولوجيا/ الجامعة الاردنية

لقراءة المزيد

أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

المصدر :http://wp.me/s70vFa-11308