يولد الاختلاف الحقيقي عندما يخرج الإنسان من القوالب الجاهزة، ويعيد تعريف مهنته بوصفها موقفًا فكريًا لا مجرد وظيفة. هكذا يظهر الدكتور المحامي هاشم نصار، لا كممارس تقليدي للمحاماة، بل كمفكر يشتبك مع القانون بوصفه نصًا مفتوحًا على الفلسفة، ومع العدالة بوصفها معنى قبل أن تكون حكمًا.
هاشم نصار ينتمي إلى فئة نادرة من القانونيين الذين لم يكتفوا بحفظ النصوص أو إتقان الإجراءات، بل ذهبوا أبعد، إلى مساءلة الأسس التي يقوم عليها القانون ذاته: ما الذي يجعل الحكم عادلًا؟ وأين يقف الإنسان داخل النص؟ وهل يمكن للقانون أن يكون بلا روح؟
المحاماة بوصفها فهمًا للإنسان
في تجربته المهنية، يتعامل نصار مع القضايا لا باعتبارها ملفات، بل حكايات بشرية مكتملة الأبعاد. يرى أن كل نزاع قانوني يخفي خلفه صراعًا أعمق بين القيم، والمصالح، والخوف، والوعي. لذلك، لا ينظر إلى المحامي كمدافع عن نص، بل كقارئ للواقع، ومترجم لمعاناة الإنسان إلى لغة قانونية لا تفقد معناها الأخلاقي.
هذا الفهم جعل حضوره في المشهد القانوني مختلفًا؛ إذ تتقاطع خبرته العملية مع قدرة تحليلية تتجاوز الوقائع الظاهرة، لتصل إلى جذور المشكلة، سواء كانت اجتماعية، فكرية، أو نفسية. القانون هنا ليس أداة قمع أو ضبط، بل محاولة لتنظيم الحرية لا مصادرتها.
الفلسفة ليست ترفًا… بل ضرورة
ما يميز هاشم نصار فعليًا هو مشروعه الفكري الذي يقوم على الدمج بين التشخيص والتجريد. التشخيص يمثل الواقع المادي، السلوك الإنساني، النصوص، القوانين، والمحاكم. أما التجريد، فيحمل البعد القيمي، الروحي، والمعنوي الذي يمنح كل ذلك معناه الحقيقي.
بهذه الثنائية، يعيد نصار الاعتبار للفلسفة بوصفها ضرورة لفهم العالم، لا خطابًا نخبويًا معزولًا.
الفلسفة في رؤيته ليست معارضة للقانون، بل مكملة له، تحميه من التحول إلى أداة صماء، وتعيد ربطه بالضمير الإنساني.
العدالة بين النص والضمير
في خطاب نصار، لا تكفي شرعية النص وحدها لإنتاج العدالة. النص قد يكون صحيحًا شكليًا، لكنه ظالم إن افتقد البعد الإنساني. من هنا، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نبحث عن تطبيق القانون أم عن تحقيق العدل؟
هذا السؤال ليس نظريًا، بل ينعكس في طريقته في التفكير، والتحليل، وحتى في تعاطيه مع القضايا العامة. العدالة عنده عملية وعي مستمرة، تبدأ من فهم الإنسان لذاته، قبل أن تُترجم إلى مواد وبنود.
محامٍ يفكر خارج قاعة المحكمة
لا ينحصر حضور هاشم نصار داخل أروقة المحاكم، بل يمتد إلى فضاء فكري أوسع، حيث يناقش قضايا الوجود، الحرية، الإرادة، والدين، من زاوية عقلانية نقدية، تحترم الإنسان وتدفعه إلى التفكير لا التلقّي.
هذا الامتداد جعل منه صوتًا مختلفًا في زمن يعاني من الاستقطاب، حيث يسعى إلى تفكيك الثنائيات الحادة: دين أو عقل، قانون أو أخلاق، واقع أو معنى. في مشروعه، لا صراع بين هذه المفاهيم، بل تكامل يعيد للإنسان توازنه.
قيمة التجربة لا ضجيج الخطاب
لا يعتمد نصار على الخطابة أو الشعارات، بل على بناء فكري هادئ، عميق، ومتدرج. يكتب ويتحدث كما يفكر: بهدوء، وبمسؤولية معرفية، وباحترام لعقل المتلقي. لذلك، يلقى خطابه صدى لدى من يبحثون عن الفهم، لا عن الإجابات الجاهزة.
في زمن السرعة والاختزال، يقدم نموذجًا لمحامٍ يرى أن الكلمة مسؤولية، وأن الفكر ممارسة، وأن العدالة لا تُختصر في حكم، بل تُبنى في الوعي.
المؤلف… حين تتحوّل الفلسفة إلى مشروع مكتوب
لا يقف مشروع الدكتور هاشم نصار عند حدود الممارسة أو الخطاب الشفهي، بل يتجسّد أيضًا في فعل الكتابة بوصفه ممارسة فلسفية واعية. فمؤلفاته في مجال الفلسفة لا تأتي كتراكم نصوص، بل كمسار فكري متكامل، يسعى من خلاله إلى تفكيك المسلّمات، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى بلغة عقلانية لا تنفصل عن الواقع.
في كتاباته، لا يكتب نصار الفلسفة بوصفها تاريخ أفكار، بل بوصفها تجربة إنسانية حيّة، تمسّ القارئ في وعيه اليومي، وتدفعه إلى مراجعة علاقته بالذات، وبالقانون، وبالمعنى. النص الفلسفي لديه ليس مغلقًا، ولا ادّعائيًا، بل مفتوح على الحوار، والاختلاف، والتأمل.
تميّز مؤلفاته يكمن في قدرتها على الجمع بين العمق المفاهيمي والوضوح المنهجي؛ حيث تتجاور الأسئلة الوجودية مع التحليل النقدي، دون أن يفقد النص توازنه أو صدقيته. هكذا، تتحول الفلسفة من خطاب نخبوي إلى أداة وعي، ومن تجريد ذهني إلى مسؤولية فكرية.
بهذا المعنى، لا يُعدّ هاشم نصار محاميًا يكتب الفلسفة، بل فيلسوفًا اختار أن تكون الكتابة أحد ميادين العدالة، وأن يكون الكتاب فعل مقاومة للسطحية، ودفاعًا عن الإنسان في أكثر حالاته هشاشة: حين يتوقف عن السؤال.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المشروع الفلسفي ليس وليد مرحلة طارئة، بل هو امتداد لمسار بحثي متواصل بدأ منذ عام 1997، حيث انخرط هاشم نصار مبكرًا في الاشتغال على الأسئلة الفلسفية الكبرى، وراكم عبر السنوات أبحاثًا وتأملات شكّلت البنية العميقة لكتاباته اللاحقة.
هذا الامتداد الزمني منح مشروعه نضجًا مفاهيميًا، وعمقًا منهجيًا، جعله أكثر التصاقًا بتحولات الإنسان والمجتمع، وأكثر قدرة على قراءة الواقع قراءة نقدية مسؤولة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المشروع الفلسفي ليس وليد مرحلة طارئة، بل هو امتداد لمسار بحثي متواصل بدأ منذ عام 1997، حيث انخرط هاشم نصار مبكرًا في الاشتغال على الأسئلة الفلسفية الكبرى، وراكم عبر السنوات أبحاثًا وتأملات شكّلت البنية العميقة لكتاباته اللاحقة. هذا الامتداد الزمني منح مشروعه نضجًا مفاهيميًا، وعمقًا منهجيًا، جعله أكثر التصاقًا بتحولات الإنسان والمجتمع، وأكثر قدرة على قراءة الواقع قراءة نقدية مسؤولة.






