م. سهير المهيرات…حين تتحول الهندسة إلى فكر قيادي، والاستدامة إلى مشروع حياة

في عالمٍ يتغير على وقع التحديات المناخية، وتحولات الطاقة، وأزمات العدالة البيئية، لا يكفي أن تكون مهندسًا أو خبيرًا في الأرقام والأنظمة. ما يحتاجه العالم اليوم هو فئة نادرة من القادة: أولئك الذين يُتقنون لغة الحلول كما يُتقنون فن التأثير، ويجيدون الربط بين العلم والضمير، التقنية والعدالة، القيادة والرسالة.
ومن بين هؤلاء، تقف المهندسة سهير المهيرات، لا كاسم ضمن سِير ذاتية لامعة، بل كنموذج حيّ لما يمكن أن تصنعه امرأة أردنية آمنت أن الريادة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن القيادة لا تُصنع في المكاتب، بل في الميدان، على تماسٍ مباشر مع التحديات والناس والواقع.

ما بين التخصص والرسالة: ولادة قائدة من طراز خاص

أكثر من عشرين عامًا من العمل التراكمي المتعدد الحقول جعلت من المهندسة سهير اسمًا مرادفًا للفكر الشمولي المتقدّم في الطاقة والاستدامة. لم يكن حضورها محصورًا في الإطار التقني التقليدي، بل كان يتسع كل عام ليشمل مزيدًا من المفاهيم الحديثة والمركّبة: الحوكمة، المواصفات الدولية، التنوع الاجتماعي، الريادة النسوية، التمكين الاقتصادي، الاقتصاد الأخضر، المباني المستدامة، وإدارة التحوّل البيئي.
هذه الرحلة لم تكن نتيجة وظيفة، بل ثمرة إيمانٍ داخلي بأن العلم الحقيقي لا ينفصل عن الإنسان، وأن التنمية إن لم تكن شاملة وعادلة، فهي مجرد نمو أجوف.

NEX-SUS: رؤية تحوّلية في قالب مؤسسي

تُجسّد شركة “الحلول المترابطة للاستدامة – NEX-SUS” التي شاركت المهندسة سهير في تأسيسها، هذه الرؤية التكاملية بامتياز. فليست مجرد شركة استشارية، بل مختبر حقيقي لتوليد وتطبيق الحلول التي تربط بين البيئة، الطاقة، والمجتمع. تقدم الشركة خدمات قائمة على منهجيات علمية دقيقة، ولكن بروح إنسانية عالية؛ حيث تُقدَّم الحلول لا لتقليل الفاقد الطاقي فقط، بل لتعزيز العدالة البيئية، وإعادة تصميم العلاقة بين الفرد ومصادره.
وبصفتها المدير العام، تَحول دور المهندسة سهير من التنفيذ إلى قيادة الفكر واتخاذ القرار الاستراتيجي، وقيادة فرق متعددة التخصصات نحو تحقيق أثر ملموس محليًا وإقليميًا.

CWEEL: من التأسيس المحلي إلى القيادة العالمية

في عام 2014، أطلقت المهندسة سهير المهيرات فرع الأردن لـ مجلس النساء في الطاقة والقيادة البيئية (CWEEL)، لتُحدث بذلك اختراقًا في قطاع ظلّ مغلقًا أمام النساء لسنوات طويلة. لكن تأسيس الفرع لم يكن مجرّد تمثيل رمزي، بل بداية نموذج عملي لتمكين المرأة المهندسة، ودعمها للوصول إلى أدوار القرار في مجالات البيئة والطاقة.
تواصلت المسيرة حتى تم انتخابها عضوًا في مجلس إدارة CWEEL الرئيسي في الولايات المتحدة (2019–2024)، ممثلة بذلك الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وناقلة لصوت المرأة العربية إلى منصات دولية تبحث في استراتيجيات الطاقة العالمية.

أوسمة وجوائز… ليست للتزيين بل للتوثيق

كرّمها الوطن بمنحها وسام الملك عبدالله الثاني للتميّز من الدرجة الثالثة، تقديرًا لدورها الرائد في تطوير سياسات ومشاريع الطاقة المتجددة. وفي المحافل الدولية، نالت أرفع الجوائز التخصصية، التي تُمنح للأسماء التي غيّرت المشهد لا تلك التي فقط أدارته:
محترف تطوير طاقة على المستوى الدولي – 2016
قائد الفرع للعام – 2020 (Chapter Champion)
جائزة الخدمة المتميزة – 2024 (Distinguished Service Award) من جمعية مهندسي الطاقة (AEE) ومجلس CWEEL
الاحتراف المعرفي: شهادات لا تلمع على الورق بل في الميدان
في رصيد المهندسة سهير نخبة من الشهادات المعترف بها عالميًا، لا تُعبّر عن استعراض أكاديمي، بل عن رحلة دؤوبة في التطوير الذاتي والمستوى المهني:
مدير طاقة معتمد (CEM®)
محترف طاقة متجددة (REP™)
محترف تنمية مستدامة (CSDP®)
خبير مباني خضراء (EDGE Expert)
خبير في إدارة الطاقة وفق ISO 50001
مدرب معتمد من جمعية مهندسي الطاقة الأمريكية

والأهم من كل ذلك، هو امتلاكها لأداة غير قابلة للقياس: القدرة على تحويل هذه المعارف إلى أدوات فاعلة في السياسات والمجتمعات.

قيادة النوع الاجتماعي: صوتٌ لا يتنازل عن العدالة

إدراكًا منها أن الاستدامة تفقد معناها إن لم تكن شاملة، ركّزت المهندسة سهير على إدماج منظور النوع الاجتماعي في قطاع الطاقة، وساهمت في تدريب وتأهيل كوادر وطنية وإقليمية على مبادئ إدارة التنوع الاجتماعي والتمكين الاقتصادي للنساء في الاقتصاد الأخضر، ما جعلها من القلائل الذين ربطوا بين الاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية بشكل ممنهج.

الختام ليس ختامًا: ريادة تُلهم ولا تتوقف

المهندسة سهير المهيرات لا تقدّم تجربة مهنية فقط، بل تمثل حالة وعي نادر في بيئة ما تزال تحتاج إلى من يقودها بشجاعة وأصالة. إن ما تفعله ليس عملاً، بل مشروعًا حياتيًا يهدف إلى:
“تغيير شكل العلاقة بين الإنسان والطاقة، بين المعرفة والمجتمع، بين الأنثى والموقع القيادي.”
هي لا تمشي في طريق ممهد… بل تمهّد الطريق لغيرها. لا ترفع صوتها على المنابر… بل تزرع أثرها في صمت عميق. لا تسعى للشهرة… بل للجدوى.
إنها سهير المهيرات. امرأة أردنية تُعيد صياغة معنى الريادة، وتترك أثرًا لا يُمحى في مستقبل يُعاد بناؤه الآن.