في قرية صغيرة على أطراف فلسطين، وُلدت سيدة عظيمة حملت على عاتقها رسالة التربية والتعليم طوال عقود. من كفر اللبد إلى رام الله، ثم إلى الكويت وعمّان، نسجت المربية مي حمزة اللبدي حكاية لا تشبه سواها، حكاية امرأة رائدة آمنت أن التعليم ليس مهنة، بل أمانة تُغرس في العقول وتنبت في القلوب.
من كفر اللبد إلى رام الله… بداية الحلم
ولدت مي في بلدة كفر اللبد، وترعرعت في بيئة محافظة تثمّن العلم، فانطلقت في مسيرتها التعليمية نحو معهد المعلمات في رام الله، حيث حصلت على شهادة التدريس عام 1960. كانت من بين أوائل الفتيات اللواتي التحقن بهذا المعهد العريق، في زمن لم يكن طريق المرأة إلى التعليم مفروشًا بالسهولة.
الكويت… 30 عامًا من الريادة
غادرت فلسطين إلى الكويت بعد تخرّجها، في فترة كانت الدولة الخليجية تبحث عن عقول تبني وتؤسس.
وهناك، بدأت اللبدي واحدة من أطول مراحل العطاء المهني، فعملت مشرفة لمادة الرياضيات في المرحلة المتوسطة، ثم كُلّفت بالإشراف على مراكز تعليم الكبار بعد الظهر.
طوال 25 عامًا، كانت نموذجًا للمربية الصارمة والحنونة في آن، ترعى نمو الطلبة فكريًا، وتدعم المعلمات بأسلوب علمي تربوي متطور.
كانت تزرع في قلوب الجميع حب الرياضيات، وتؤمن أن الأرقام ليست جامدة، بل بوابة لفهم النظام والدقة في الحياة.
وخلال تلك الفترة حصلت على درجة البكالوريوس في الرياضيات من جامعة العربية في بيروت
العودة القسرية… وحياة جديدة في الأردن
عام 1990، ومع اشتعال حرب الخليج، اضطرت مي لمغادرة الكويت والتوجه إلى الأردن، وكانت حينها ابنتها في الصف التاسع، لتبدأ فصلاً جديدًا من مسيرتها التربوية في وطن بديل لم يُثنها عن العطاء.
التحقت بمدارس المنهل كمشرفة رياضيات من الصف الأول وحتى الثامن، واستمرت هناك تسع سنوات، عملت خلالها على تطوير أساليب التدريس، وإعادة تشكيل علاقة الطلاب بالرياضيات كعلم جميل وسلس.
حادث… ثم نهوض من جديد
في عام 2000، وبعد ولادة حفيدتها، تعرضت لحادث اضطرها للجلوس في المنزل.
لكن المربية التي اعتادت أن تُنهض غيرها، لم تسمح لنفسها بالبقاء طويلاً خارج الميدان.
وجدت فرصة في حضانة معروضة للبيع في منطقة البيادر، فاشترتها، وبدأت من جديد.
خلال فترة قصيرة، تحوّلت الحضانة إلى وجهة تربوية مميزة، وامتلأت بطلبات التسجيل. ثم طوّرتها إلى روضة ناجحة استمرت 10 سنوات.
ولأن الطموح لا يتوقف، افتتحت بعدها مدرسة أساسية استمرت أيضًا 10 سنوات، حتى جاءت جائحة كورونا، التي أجبرتها على بيع المدرسة، والاكتفاء بالحضانة.
النهاية الحزينة لمؤسسة كبيرة
رغم تمسكها بالحضانة، إلا أن بيع المبنى لاحقًا أجبرها على إغلاقها، لتنهي بذلك آخر فصل من فصول عطائها المؤسسي، لكنها لم تغادر ذاكرة من عرفها، وخصوصًا أولئك الذين تعلّموا على يديها، أو عملوا تحت إدارتها.
إرث من النور
تختصر قصة مي حمزة اللبدي مسيرة امرأة فلسطينية أردنية حملت راية التعليم منذ أول خطوة في رام الله، وحتى آخر يوم في عمّان. صمدت في وجه الغربة، والحروب، والحوادث، والجوائح، لكنها لم تتراجع عن دورها كمربية، صانعة أجيال، وزارعة معرفة.
إنها ليست مجرد اسم في سجل الوظائف، بل ذاكرة حيّة في قلوب من مرّوا بمحطات عطائها. واليوم، وهي تتابع من بعيد، نُدرك أن أثر المربين لا يُقاس بسنوات الخدمة، بل بالأرواح التي غيّروها إلى الأبد.


