مجلة مال واعمال

فقراء يتمتعون بجدارة ائتمانية!

-

121020141

مارسيلو م. جيوجالي*

 على مدى السنوات الخمس الماضية، أصدرت عدة بلدان منخفضة الدخل، مثل رواندا وهندوراس، للمرة الأولى على الإطلاق، سندات لمستثمرين أجانب من القطاع الخاص في لندن ونيويورك. ولعلنا كنا لنعتبر هذا حتى وقت قريب أمراً غير وارد، لذا ينبغي لنا أن ننظر إلى الإصدار الأولي للسندات من قِبَل هؤلاء المقترضين الجدد باعتباره علامة على قدر عظيم من الثقة من جانب المستثمرين. ولكنه لا بد أيضاً أن يدق بعض أجراس الإنذار المألوفة.
فقد جمع حوالي عشرين “إصدار أول” نحو 12 مليار دولار بأسعار فائدة أعلى بنحو 4.5 نقطة مئوية فقط في المتوسط من تلك التي تدفعها حكومة الولايات المتحدة على فترات استحقاق خمس سنوات أو أكثر. ويعد هذا تغييراً طفيفاً في المخطط الكبير للتمويل العالمي؛ ولكن لأن العديد من هؤلاء المقترضين كانوا متعثرين أو تخلفوا عن سداد ديونهم قبل عشر سنوات فقط، واحتاجوا إلى إعفائهم من الديون، فإن هذا التحول كان مبهراً بشكل خاص.
ولكن قدرة البلدان المنخفضة الدخل على الوصول إلى المقرضين من القطاع الخاص تأتي مصحوبة بمخاطر لا بد من تسليط الضوء عليها منذ البداية، وقبل أن تتحول إلى تهديدات وشيكة.
فبادئ ذي بدء، هناك خطر إعادة تحديد السعر. فلا بد أن يتم سداد السندات بعملة أجنبية، وهي عادة الدولار الأميركي، في قسط واحد أخير يشمل أصل الدين بالكامل. ومن الممكن أن تكون هذه الأقساط الأخيرة كبيرة، وخاصة عند مقارنتها بالتزامات الدين السابقة أو عائدات التصدير في المستقبل.
وتظهر بيانات البنك الدولي التي تتتبع تطور ديون البلدان النامية منذ سبعينيات القرن العشرين أن احتمالات وقوع أي بلد في ضائقة الديون تتزايد بنحو تسعة أضعاف (إلى احتمال واحد إلى خمسة) إذا كانت الأقساط التي تسددها تعادل أكثر من عُشر صادراتها – وهو الوضع الذي قد يواجهه واحد من كل ثلاثة مصدرين جدد للدين عندما تصبح سنداته مستحقة السداد.
وتتوقف قدرة البلدان الفقيرة المقترضة على تجنب مثل هذه الأزمة المالية على عدة عوامل. الأول ما إذا كانت قادرة على إصدار المزيد من السندات لسداد تلك التي باتت مستحقة. والثاني ما إذا كانت تستثمر المال بحكمة، وبالتالي تتمكن من السداد الفوري. وسوف يتوقف الأمر أيضاً على ما إذا كانت البلدان ذات الدخول المتقلبة، وخاصة تلك التي تعتمد على الموارد الطبيعية، تخصص بعض الأموال للطوارئ عندما تكون العوائد مرتفعة.
ويكمن خطر آخر في الأمد المتوسط في انعكاس اتجاه تدفق رأس المال. فقد تغذت شهية المقرضين لسندات البلدان ذات الدخل المنخفض على تركيبة من وفرة السيولة وأسعار الفائدة التي تقترب من الصفر في البلدان المتقدمة منذ الأزمة المالية العالمية في الفترة 2008-2009. وفي ظل العوائد التافهة المعروضة في الداخل، بحث المستمرون عن أسواق جديدة أكثر خطورة طلباً للعائدات الأعلى.
ولكن إن عاجلاً أو آجلا، سوف ترتد الاقتصادات المتقدمة إلى السياسة النقدية الأكثر إحكاما، وهو ما من شأنه أن يجعل سندات البلدان النامية أقل جاذبية. وسوف تحتفظ البلدان المقترضة التي تنتهج سياسات سليمة في التعامل مع الاقتصاد الكلي في الأرجح ببعض جاذبيتها في نظر الأسواق المالية العالمية؛ ولكن الحكومات الأقل حكمة ربما تجد نفسها وقد باتت منبوذة فجأة.
ومن المؤسف أن جودة ممارسات إدارة الدين بين البلدان الجديدة المصدرة للسندات متفاوتة. والآن أصبحت استراتيجيات الدين المتعقلة، وهيئة مهنية ومستقلة لإدارة الدين، وإطار قانوني واضح للاقتراض العام، أكثر أهمية من أي وقت مضى.
لا شك أن تقدماً ملموساً على هذه الجبهة تحقق على مدى العقد الماضي، وكان أغلبه ممولاً بواسطة مساعدات من بلدان غنية. ولكن هناك المزيد الذي يمكننا القيام به، ولا بد من القيام به، قبل أن تصبح موجة الاقتراض الجديدة هذه أكبر من أن نتمكن من إدارتها، أو تمتد إلى حكومات الدول والبلديات التي تعاني من ضعف القدرة الإدارية. ولا بد من الإشارة إلى الارتباط السلبي القوي بين جودة ممارسات إدارة الديون في أي بلد وخطر تعرضها لضائقة ديون، حيث تظهر 90 % من البلدان المنخفضة المخاطر ممارسات جيدة.
ويكمن الخطر الثالث في أن الموافقة على ديون المستقبل سوف تكون أشد صعوبة. فتقليدا، كان دائنو البلدان ذات الدخل المنخفض من حكومات العالم الثري والمنظمات المتعددة الأطراف، التي وجدت أنه من غير المجدي سياسياً المطالبة بسداد الديون إذا كان هذا يعني اضطرار المقترض إلى خفض الإنفاق على الخدمات العامة الحيوية مثل التعليم أو الصحة. وفي عملية استغرقت بالفعل 15 عاماً – ولم تنته بعد – كانت الديون المستحقة على 35 دولة فقيرة مثقلة بالديون خارجية، وبتكاليف أكثر من 100 مليار دولار.
ولكن الآن، تبيع العديد من البلدان الفقيرة المثقلة بالدوين سابقاً سندات في السوق العالمية لمستثمرين من القطاع الخاص، وهي الممارسة التي أصبحت أشد خطورة في الأشهر الأخيرة، في أعقاب قرار المحكمة في الولايات المتحدة الذي يسمح لحاملي السندات برفض إعادة هيكلة الدين ومقاضاة المدين طلباً للحصول على كامل الدين المستحق. ولا نملك إلا أن نأمل أن يتم تخصيص الأموال التي تم جمعها لاستخدامات مفيدة، وأن لا يتطلب السداد تضحيات كبيرة، حيث لا وجود حالياً لأي آلية متفق عليها لإعادة الهيكلة، ناهيك عن إلغاء الديون الجديدة.
قد يتساءل المرء ما الذي قد يدفع أي شخص غير المستثمرين العالميين من القطاع الخاص الذين يخوضون المجازفة إلى الاهتمام بأمور مثل إعادة تحديد السعر، وانعكاس اتجاه التدفقات، وإدارة الديون. السبب هو أن ضائقة الديون العامة تلحق الضرر الأكبر بالمواطنين الفقراء في أي دولة، وهم أقل معرفة، ولا خيار لديهم بشأن إصدار السندات. وعندما تعجز أي دولة عن سداد ديونها، فإن الأضرار الاقتصادية تؤدي إلى مضاعفة أعداد الفقراء وتدهور مستوياتهم المعيشية. فعندما تخلفت الأرجنتين عن سداد ديونها في العام 2001، هبط مواطن من كل خمسة إلى ما دون خط الفقر.
الواقع أن إدارة الديون على النحو السليم تعد سياسة اجتماعية سليمة – درس مفاده أن المقترضين والمقرضين على حد سواء لا بد أن ينتبهوا وهم يدخلون عالم الديون إلى أن الديون قد تصبح أكثر تعقيداً من المفترض في بداية الأمر وأكثر إثارة للمتاعب من كل التوقعات، إذا كانت إدارتها رديئة.

*كبير مديري الممارسات العالمية للاقتصاد الكلي والإدارة المالية في مجموعة البنك الدولي.
المصدر الغد بالتعاون مع بروجيكت سنديكت.