مجلة مال واعمال – خاص
عندما تتحدث فداء الروابدة عن الزراعة، تشعر أنها لا تتحدث عن النباتات بل عن الناس.
ففي نبرتها، تلتقي رائحة التراب برؤيةٍ استراتيجيةٍ تتجاوز الحقول إلى رسم سياساتٍ تغيّر واقع التنمية في العالم العربي.
هي ليست موظفة في مؤسسة تنموية أو حكومية تقليدية، بل مهندسة حياة آمنت بأن كل مشروع زراعي هو وعدٌ جديد بين الإنسان والأرض.
من الحقل إلى السياسات الإقليمية
منذ أكثر من خمسةٍ وعشرين عامًا، تسير المهندسة الزراعية فداء بخطى ثابتة في دربٍ طويلٍ جمع بين العِلم والميدان، والفكر والتطبيق. لم تكتفِ بالعمل بين محاصيلٍ أو دراساتٍ مخبريه أو إجراءات فنية وإدارية، بل امتد حضورها إلى مراكز القرار، لتصبح في مواقع قيادية مختلفة وأحدثها رئيس المكتب الإقليمي للمنظمة العربية للتنمية الزراعية في المشرق العربي، ومسؤولة عن صياغة رؤى وسياساتٍ ومشاركة في استراتيجيات وخطط محلية وعربية تربط بين الزراعة والمياه والطاقة والبيئة.
هي تؤمن أن التنمية الزراعية ليست قطاعًا تقليديًا، بل منظومة أمنٍ اقتصادي واجتماعي وسيادي.
قيادة بفكرٍ عربيٍّ حديث
خلال مسيرتها، تعاونت الروابدة مع منظماتٍ دولية كبرى مثل FAO، UNDP، ESCWA، ILO، وAOAD، لتصوغ من خلالها مشاريع وأنشطة من مؤتمرات وورش تدريبية وورش عمل وندوات تمزج بين الحداثة والتطور والاستدامة.
تحدثت عن الزراعة ليس كمهنةٍ للماضي، بل كاستثمار للمستقبل، حيث التكنولوجيا والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والمياه تصبح أدواتٍ لتحقيق الأمن الغذائي والاقتصاد الأخضر.
وتحت قيادتها، نفذت مشاريع ريادية مثل REGEND لنشر الطاقة المتجددة في الريف العربي، وتطوير النظم المزرعية ،والإدارة المتكاملة للمحاصيل الزراعية ،ومشروعات متخصصة في مكافحة سوسة النخيل الحمراء والآفات الأخرى، وغيرها من البرامج التي عززت الزراعة الذكية والمستدامة.

المرأة التي كسرت القوالب
في بيئةٍ يغلب عليها الطابع الذكوري، لم تُعرف المهندسة الزراعية فداء بصفتها “أول امرأة” تتولى منصبًا قياديًا، بل عُرفت بأنها القائدة التي لا ترى الفرق بين الرجل والمرأة إلا في القدرة على الإنجاز.
تؤمن بأن تمكين المرأة الريفية هو جزء من تمكين المجتمع بأكمله، فدربت مئات النساء والشباب في القرى والمناطق المهمشة على مهارات الزراعة الحديثة وريادة الأعمال الزراعية.
كانت تقول دائمًا: “حين تمتلك المرأة المعرفة الزراعية، فإنها لا تزرع محصولًا فقط، بل تزرع حياةً جديدة لعائلتها ومجتمعها.”

من المؤتمرات إلى القرى
ما يميز فداء الروابدة أنها تتحرك بين مستويين ببراعة نادرة: منصات منظمات دولية مثل الأمم المتحدة حيث تصاغ السياسات، والحقول الريفية العربية والمحلية حيث تُختبر النتائج.
شاركت في مؤتمرات كبرى مثل مؤتمر المناخ COP28 في دبي، وأسبوع المناخ في الرياض، والزراعة الذكية وانترنت الاشياء في السودان،كما ألقت محاضراتٍ عن الزراعة الذكية والطاقة المستدامة في عمّان وبيروت وتونس والقاهرة وبغداد.
لكنها لم تترك الميدان يومًا، فكانت تتابع بنفسها تجارب المزارعين، وتحوّل الأفكار النظرية إلى قصص نجاح واقعية في القرى الأردنية والعربية.

رؤية لا تعرف الحدود
تصف فداء الروابدة نفسها بأنها “مؤمنة بالزراعة كمشروع حضاري”، فهي ترى في كل بذرةٍ فرصةً للنهوض بالمجتمع، وفي كل قطرة ماءٍ مسؤولية، وفي كل مبادرةٍ بيئية طريقًا للسلام، وفي كل ابتكار وريادة أعمال طريق للأمن الغذائي.
هي صوت عربيٌّ علميٌّ وإنسانيٌّ يعبر عن رؤية جيلٍ جديد من القادة العرب الذين يرون التنمية طريقًا للسيادة، لا مجرد نشاطٍ اقتصادي.

نشأت في بيت العلم والمعرفة فوجدت نفسها في القمة
خاتمة: وعدٌ بين الإنسان والأرض
ربما تختصر سيرة فداء الروابدة بكلمة واحدة: الاستدامة — استدامة الفكرة، واستدامة الإيمان، واستدامة الأثر.
لقد استطاعت أن تجعل من الزراعة لغةً للحياة، ومن التنمية الريفية منبرًا للكرامة، ومن دور المرأة قوة تغيير حقيقية.
وفي زمنٍ يتحدث فيه الجميع عن الأزمات، اختارت فداء الروابدة أن تتحدث عن الفرص… فرص النهوض بالعالم العربي من جذوره، من تربته، ومن إيمانه العميق بأن الأرض قادرة على أن تعيد للإنسان مكانه، متى ما آمن هو بها أولًا.

حصري لمال واعمال يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بإذن خطي







