مجلة مال واعمال

فايزة سقسوق…. قادرة على العطاء رغم تجاوزها الثمانين من العمر

-

تجلس ” أم علي سعد” بسنواتها81 في محلها التجاري في مدينة كنما على مسافة ثلاث مائة كيلومتر من فريتاون عاصمة سيراليون .. السيدة القوية المشهورة ب”مامي توك توك”،ما تزال بكامل همتها للعمل ومتابعة تجارتها عن كثب وبعناية فائقة .فدائما ما تردد بثقة كاملة: “يوم اتوقف عن العمل سوف أمرض في اليوم التالي”.

ولدت فايزة محمود طالب سقسوق في سيراليون عام الف وتسعمائة وخمسة وثلاثين في بلدة صغيرة اسمها “ماكيني” حيث كان والدها قد هاجر باكرا الى تلك البلاد. تقول ام علي سعد: كان عمري اربع سنوات عندما ذهبت اول مرة الى لبنان واقمت في بلدتي حناويه شرق مدينة صور. تزوجت من الحاج حسين سعد عام ثلاثة وخمسين.في العام التالي صدر في سيراليون قانون يسمح لمواليد البلاد بالعودة مع عائلاتهم. لم يكن في حوزتي جواز سفر لبناني،فحصلت على جواز سفر بريطاني لانني من مواليد مستعمرة بريطانية. المهم عدنا الى ماكيني وبدأنا العمل في التجارة الخفيفة. واجهتنا صعوبات كبيرة. انتقلنا من بلدة الى اخرى واستقرينا عام تسعة وخمسين في مدينة كنما حيث نحن الان،وبدأنا في العام ستين تجارة المحصول ،اي الكاكاو والبن،الى جانب السلع الاخرى غذائية وغير غذائية. تبتسم ام علي عندما تسألها لماذا يطلق عليك اسم “مامي توك توك” اي المرأة الكثيرة الكلام،فتقول: عندما عملنا في مجال التجارة لاقيت الكثير من الصعوبات والمنافسة والمضاربة. وكان في كنما تاجر معروف اسمه سمعان عبود ،وكنت كثيرا ما اجادله في موضوع الاسعار والتجارة لدرجة اتعبه النقاش معي،وذات يوم قال لي سوف اسميك من الان وصاعدا “مامي توك توك”،واخذ علي هذا اللقب منذ ذلك الحين. ساعدت ام علي سعد الكثير من الشباب اللبناني الذين وفدوا الى سيراليون وبينهم قاسم تاج الدين ،الرجل الذي ناسبها وتزوج ابنتها، والذي اصبح فيما بعد من كبار رجال الاعمال في لبنان والخارج وصاحب شركة “تاجكو” الشهيرة. وللصدف يقطع تاج الدين الحديث مع حماته ويدخل علينا ويجلس الى جانبها. هو ينظر اليها بكثير من الاعجاب والوفاء والاحترم لهذه المرأة المناضلة التي بنت ما يشبه الامبراطورية التجارية. تسأل ام علي عن سيراليون فتقول بلا تردد: سيراليون دمي. هنا ولدت وتربيت.انا لا اعرف لبنان. عملي هنا وتجارتي هنا وحياتي وذكرياتي هنا. عندما اراجع حياتي وكيف بدأت وكيف وصلت اعرف جيدا قيمة هذا البلد بالنسبة لي. ولكن الا يحق لك الراحة بعد هذا العمر؟ تجيب: نعم يحق لي ان ارتاح،ولكن صدقني انني اذا توقفت عن العمل سوف أمرض. كنت صبية اصحو عند الفجر لافتح المحل عند طلوع الشمس. وما زلت كذلك. العمل هو حياتي. هل فكرت يوما بالعمل في لبنان؟ ترد: لا ابدا. العمل في لبنان صعب. لا استطيع ان اعمل هناك. العمل في لبنان يلزمه مافيات. هنا تسب الافريقي فيدفع لك. في لبنان يشتمونك وتدفع لهم (تضحك). تضيف: تجربتي هنا كانت جيدة مع الجميع. نعم تغير الزمن. فقدنا جو الالفة بين اللبنانيين. هناك جيل جديد اتى بعد الحرب،وبالنسبة لي تغير الوضع بعدما نفيت من البلاد عشر سنوات. ثمة من يتهم ام علي سعد بأنها دعمت الثوار في سيراليون واسهمت في الانقلاب العسكري على الرئيس السابق احمد تيجان كباه،لكن السيدة القوية تنفي ذلك.. “لقد جاء الثوار الى كنما من ليبيريا المجاورة وكان علينا ان نتعاطى معهم لحماية ارواحنا ومصالحنا.كان لي على الدولة ثلاثة ملايين دولار ،رفعت دعوى وربحتها ،وكنا على وشك ان نقبض،لكن الانقلاب سبقنا. انا لم اتدخل في السياسة،ولكن كان الثوار يأتون الى المحل ونتعامل معهم .. وعندما عاد تيجان كباه الى الحكم نصحوني بالرحيل فتركت البلد عن طريق ليبيريا. مشيت ست ساعات في الادغال قبل ان اصل الى مونروفيا. وبقيت عشر سنوات خارج سيراليون الى ان جاء الرئيس الحالي ارنست كوروما فدعوني الى العودة،فطلبت ضمانات وعدت حيث استقبلني الرئيس وقال لي انت في بلد الحريات ولك الحرية الكاملة. كل رؤساء سيراليون كانوا جيدين،الا احمد كباه الذي حرمني من العودة الى سيراليون.

شاركت ام علي في ادارة شؤون الجالية في كنما ،وكان لها دور دائم غي انتخاباتها ومدرستها وكل قضاياها. تفضل سيدة الاعمال المميزة في غرب افريقيا ان تمضي ما تبقى من عمرها في سيراليون ” لكن اذا اقترب اجلي ،افضل ان اموت في لبنان”.