غيداء أبو رمان… حين تتحوّل الهندسة إلى موقف وطني ويصبح العلم أداة تغيير

غيداء أبو رمان ليست اسمًا أكاديميًا يمر في سجلات الجامعات، بل تجربة قيادية مكتملة الأركان، تشكّلت عند تقاطع العلم، والإدارة، والمسؤولية المجتمعية. سيرة تُقرأ بوصفها مشروعًا وطنيًا طويل النفس، لا مجرد مسار مهني تقليدي.
أستاذة (بروفيسور) في الهندسة المدنية – المياه والبيئة، تحمل درجة الدكتوراه في الهندسة، وتعمل في أحد أكثر التخصصات حساسية وتأثيرًا على مستقبل المنطقة: هندسة المياه والبيئة، مع تركيز علمي دقيق على دراسات التغير المناخي باستخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS) وتقنيات الاستشعار عن بعد. تخصص لا يكتفي بالتشخيص، بل يذهب إلى بناء الحلول، واستشراف المخاطر، وربط العلم بالقرار.

منذ يونيو 2024، تتولى أبو رمان منصب عميد كلية الزرقاء التقنية المتوسطة، لتواصل دورها في تطوير التعليم التقني وربطه باحتياجات السوق والاقتصاد الوطني.

وقبل ذلك، شكّلت لسنوات طويلة أحد الأعمدة القيادية في جامعة الإسراء، شغلت مناصب قيادية اكاديمية في جامعة الاسراء من مساعد رئيس للجامعه للشؤون الدولية مع عميد لكلية الهندسة مع مدير مركز الاستشارات والتعليم المستمر وخدمة المجتمع مده ١٨ عام متتالي.

ما يميّز تجربة غيداء أبو رمان أن الإدارة لديها لم تكن موقعًا، بل أداة. أداة لفتح نوافذ التعاون الدولي، وتمكين الطلبة، وربط الجامعة بقضايا المجتمع، وتحويل المعرفة الأكاديمية إلى خدمة عامة ذات أثر ملموس.

إنجازاتها لم تبقَ حبيسة الجدران الجامعية. في ديسمبر 2024، كرّمها جلالة الملك عبد الله الثاني بميدالية اليوبيل الفضي، تقديرًا لجهودها المتميزة في خدمة الوطن، وتمكين المرأة والشباب، وخدمة المجتمع المحلي. تكريم يحمل دلالة سياسية ومعنوية، ويعكس تقدير الدولة لدور العلم حين يقترن بالفعل والمسؤولية.
وفي عام 2025، اختيرت قصتها ضمن كتاب عالمي من إصدار ABET المنظمة الأمريكية لاعتماد الهندسة دوليا والكتاب العالمي بعنوان «حدودي هي السماء»، عنوان لا يبالغ، بل يلخّص فلسفة امرأة رفضت السقف المنخفض، ووسّعت حدود الممكن.
سبق ذلك حصولها على جائزة المبدعة العربية في حقل المياه والبيئة عام 2019، وتكريمها من الرئيس اللبناني السابق ميشيل عون، إضافة إلى تكريمها من المجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية لنشاطها في خدمة المجتمع العربي.

كما كانت عضوا في لجنة التغير المناخي ومناهج التعليم لدول حوض البحر الأبيض المتوسط، ضمن مبادرة حكومة قبرص، وأسهمت في إصدار كتاب وإشهاره خلال قمة المناخ (COP27)، في تأكيد جديد على حضورها في دوائر التأثير الإقليمي والدولي.

بحثيًا، تمتلك أبو رمان إنتاجًا علميًا غزيرًا في مجالات معالجة التغير المناخي و المياه والبيئة، والطاقة المتجددة، وتطبيقات الاستشعار عن بعد.

تجاوزت استشهادات أبحاثها حاجز 1300 استشهاد، وهو رقم يعكس ثقة المجتمع العلمي بعملها، وقدرته على الإضافة لا التكرار.

اجتماعيًا، لم تفصل يومًا بين المختبر والواقع. انخرطت بعمق في قضايا تمكين المرأة الأردنية والعربية في المجالات العلمية والتقنية، إيمانًا بأن التنمية لا تُبنى بنصف المجتمع، ولا يستقيم مستقبل دون عدالة الفرص.

غيداء أبو رمان تمثّل نموذجًا لقيادة هادئة، لا تبحث عن الأضواء بقدر ما تصنع الأثر. قيادة تفهم أن الهندسة ليست أرقامًا فقط، بل قرارات تمسّ الماء، والبيئة، والإنسان. وفي زمن تتزايد فيه التحديات المناخية والضغوط التنموية، تبدو تجربتها تذكيرًا واضحًا بأن العلم حين يقوده وعي، يتحوّل إلى قوة تغيير حقيقية.