الدكتورة مرام أبو النادي… حين تصبح المعرفة رسالة، والإبداع التزامًا

في الزمن الذي تتقاطع فيه الأدوار وتتداخل المسؤوليات، قلّما نجد من يجمع بين الحضور الأكاديمي الصارم، واللمسة الثقافية المتقدة، والرؤية المجتمعية المتقدمة. الدكتورة مرام فؤاد أبو النادي هي واحدة من تلك القامات التي نسجت لنفسها موقعًا متفردًا في المشهد الأردني، بصفتها أكاديمية، مفكرة، وأديبة حملت مسؤولية الفكر، فصاغته برؤية تربوية وإنسانية رفيعة.

تشغل الدكتورة مرام اليوم موقع رئيسة منتدى المستقبل الثقافي، وهو موقع لا يعكس فقط نشاطًا تنظيميًا، بل يشير إلى مشروع فكري متكامل تقوده وتسعى من خلاله إلى تفعيل دور الثقافة في تشكيل الوعي العام، ودفع عجلة الحوار المجتمعي في الأردن نحو آفاق أرحب وأكثر رسوخًا.

من التعليم إلى التنوير: مسيرة أكاديمية راسخة

حصلت الدكتورة مرام على دكتوراه في الإدارة التربوية من الجامعة الأردنية وبدأت رحلتها المهنية مع التعليم الخاص في مدارس كبرى، ثم عملت منسقة للمواد الاجتماعية في كلية دي لا سال – الفرير، قبل أن تنضم إلى جامعة البترا كعضو هيئة تدريس عام 2015، حيث تشغل حاليًا رتبة أستاذ مساعد في كلية الآداب والعلوم.

لكن الدكتورة مرام لم تقف عند حدود التدريس الجامعي، بل جعلت من الجامعة منبرًا للتغيير الفكري، وأسهمت في تطوير مناهج، وإطلاق أبحاث رائدة تناولت: إدارة المعرفة، القيادة، التفكير النقدي، الثقافة المؤسسية، التعليم الإلكتروني، والتربية المستدامة.

المثقفة التي تخاطب وجدان المجتمع

وراء الحضور الأكاديمي تقف مثقفة عضوية تؤمن أن دور المثقف ليس تنظيرًا من برج عاجي، بل انخراطًا في نبض المجتمع. ومن هذا المنطلق، نشطت الدكتورة مرام في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين منذ 2014، وترأست لجنة الإبداع الشبابي، وأسهمت في تنظيم أمسيات نقدية، واستضافت شخصيات وطنية وثقافية كبيرة. كما ألقت محاضرات نوعية في التربية، والهوية الثقافية، والتعليم الأخلاقي.

وفي عام 2015، أسست برنامجًا تربويًا فكريًا بعنوان “قصاصات بحثية”، يعكس مزجها العميق بين البحث الأكاديمي والاهتمام الإنساني، واستمرت في عطائها عبر منصة منتدى المستقبل الثقافي، التي أصبحت اليوم ملتقى للنخبة الفكرية، وفضاءً لعرض رؤى تربوية وتجديدية.

باحثة وراوية الحكايات المعاصرة

للدكتورة مرام إنتاج علمي وأدبي ثري. فقد نشرت ما يزيد عن 13 بحثًا علميًا في مجلات محكّمة ومؤتمرات دولية، وتناولت موضوعات تمسّ جوهر المؤسسات التعليمية، من بينها: “إدارة المعرفة في الجامعات الأردنية”, و*”القيادة الطلابية في الزرقاء”, و”واقع التعليم المهني في المدارس الحكومية”. كما شاركت في تطوير كتب مثل: “الإدارة والسلوك التنظيمي” و”تعليم التفكير”* و*”قضايا معاصرة في التربية”*.

أما على المستوى الأدبي، فأصدرت مجموعة قصصية بعنوان “سكاكين جاهزة وبالخدمة”، وكتابًا بعنوان “كرمة النديم”، وهي نصوص تنبض بروح أنثوية عميقة وتطرح تساؤلات وجودية واجتماعية بأسلوب حادّ ومؤثر.

الحضور الإعلامي والرسالة المستدامة

إلى جانب الكتب والبحوث، كان للدكتورة مرام حضور إعلامي لافت، من خلال مقابلات تلفزيونية ناقشت فيها التعليم، الأدب النسوي، التفكير الناقد، وأثر الدراما على تنشئة الطفل. كما شاركت في ندوات تدريبية عديدة لتطوير أداء المعلمين في المدارس، ونفذت برامج توعوية في التفكير الناقد والإدارة الصفية، إيمانًا منها بأن التعليم يبدأ من الإنسان لا من المنهاج.

صوت نسائي يحمل مشروعًا وطنيًا

في عالم يحتاج إلى النساء القادرات على الجمع بين الفكر والفعل، تقدم الدكتورة مرام أبو النادي نموذجًا أردنيًا مشرفًا للمرأة التي تفكر، تكتب، وتبادر. ليست مجرد أكاديمية، بل امرأة ذات مشروع، ومثقفة تؤمن أن المستقبل يُصنع في الصف، وعلى المنبر، وفي الفضاء الثقافي.

لقد اختارت أن تسلك طريقًا غير مكرر، تسير فيه بثقة العارفة، وهدوء المفكرة، والتزام المربية. وهي اليوم، من خلال منتدى المستقبل الثقافي، ومنصاتها الفكرية والتعليمية، تُعيد تعريف دور المثقف في زمن التحولات، وتعيد للتربية معناها الإنساني الأصيل.