تبدو مسيرة الدكتورة تُقى حسن الرزوق وكأنها مشروع وطني متكامل أكثر من كونها مجرد سيرة أكاديمية؛ مشروع يشتبك مع الإنسان في أدق مراحله، ويضع العلم في خدمة المجتمع، لا في عزلة النخب.
على امتداد أكثر من خمسة وعشرين عامًا، بنت الرزوق حضورها في تقاطع نادر بين علم النفس التربوي، والبحث العلمي، والتقويم المؤسسي، لتصبح واحدة من الأسماء التي لا تكتفي بإنتاج المعرفة، بل تعيد توجيهها نحو التأثير الفعلي في السياسات والممارسات.
خبرة تراكمت عبر مواقع متعددة، من الجامعات إلى المنظمات الدولية، ومن مراكز البحث إلى مواقع صنع القرار، جعلت من تجربتها نموذجًا للباحث الذي يغادر حدود التنظير إلى ميدان التطبيق.
شغلت مواقع قيادية، أبرزها إدارة شركة دراسات وبحوث لسنوات طويلة، حيث قادت مشاريع بحثية متعددة التخصصات داخل الأردن وخارجه، معتمدة على منهجيات علمية دقيقة، ومقاربة تحليلية لا تفصل بين الأرقام والواقع.
في قلب هذا المسار، يبرز تخصصها في علم نفس النمو والتربية بوصفه حجر الأساس الذي انطلقت منه نحو فهم أعمق للإنسان، خاصة في مراحل الطفولة المبكرة.
لم تتعامل الرزوق مع الطفل كموضوع دراسة، بل كمدخل لإعادة التفكير في بنية المجتمع ذاته، وهو ما انعكس في أبحاثها التي تناولت قضايا مثل العنف ضد الأطفال، والتنظيم الانفعالي، ومعايير النمو العقلي والحركي.
تجربتها مع مؤسسات دولية كبرى، مثل اليونيسف والألكسو، لم تكن مجرد مشاركة مهنية، بل شكلت مساحة لتطبيق المعرفة في سياقات حقيقية، حيث أسهمت في تصميم أدوات بحثية، وتطوير مقاييس علمية، وتنفيذ دراسات وطنية وإقليمية ذات أثر مباشر على السياسات التربوية والاجتماعية.
اللافت في مسيرتها أنها لم تتوقف عند حدود البحث التقليدي، بل انفتحت على التحولات الحديثة، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في البحث العلمي.
هذا التوجه يعكس وعيًا عميقًا بأن مستقبل المعرفة لن يُبنى بالأدوات القديمة، وأن الباحث الحقيقي هو من يواكب التحول ويعيد تعريف أدواته باستمرار.
في المجال الأكاديمي، قدمت الرزوق نموذجًا للأستاذ الجامعي الذي يتجاوز التلقين إلى بناء التفكير، حيث درّست مساقات متنوعة في علم النفس والتقويم، وأسهمت في تدريب أجيال من الباحثين، ليس فقط على أدوات البحث، بل على منهجيته وروحه النقدية.
أما في حقل النشر العلمي، فتتنوع إسهاماتها بين الدراسات المحكمة، والتقارير الوطنية، والأوراق العلمية، لتشكل مجتمعة أرشيفًا معرفيًا يعكس قضايا المجتمع الأردني والعربي، من الطفولة إلى التعليم، ومن الصحة النفسية إلى التحولات الرقمية.
تجربة تُقى الرزوق لا يمكن قراءتها بوصفها سيرة فردية فحسب، بل كمسار يعكس تحولات أوسع في دور الباحث العربي، من ناقل للمعرفة إلى صانع لها، ومن مراقب للواقع إلى شريك في تغييره.
في زمن تتسارع فيه التحولات، تبرز هذه النماذج بوصفها ضرورة لا ترفًا؛ لأنها تعيد التوازن بين العلم والإنسان، وتؤكد أن القيمة الحقيقية للمعرفة لا تُقاس بكمّها، بل بقدرتها على إحداث فرق.


