في مشهد أكاديمي يندر فيه التميز الحقيقي، تبرز البروفيسورة فداء محمد المومني كأيقونة عربية غير تقليدية؛ امرأة جمعت بين دقة العلم، وعمق الإنسانية، وريادة فكرية عزّ نظيرها. من شمال الأردن إلى محافل العلم العالمية، رسمت المومني طريقها بنجاحات متراكبة، لتصبح أول بروفيسورة في علوم العلاج الوظيفي في العالم العربي، ومرجعية دولية في العلاج الحسي والتكاملي، وصاحبة مشاريع بحثية ذات أبعاد إنسانية ومجتمعية نادرة.
رحلة علمية استثنائية
حصلت البروفيسورة فداء المومني على درجة البكالوريوس في طب الأسنان من جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، لكنها اختارت أن تخوض غمار تخصص جديد وغير مألوف آنذاك: العلاج الوظيفي. انتقلت بعدها إلى الولايات المتحدة لتتوج مسيرتها الأكاديمية بدرجة الدكتوراه من جامعة كانساس، حيث تناولت أطروحتها أثر برامج تعزيز الصحة الفموية لدى المرضى النفسيين — موضوع يجمع الطب بالإنسانية.
وما لبثت أن تخصصت لاحقًا في العلاج الحسي من جامعة جنوب كاليفورنيا، لتكون بذلك أول أردنية وعربية تحمل هذه الشهادة المتقدمة، التي مزجت فيها المعرفة العصبية مع مهارات التدخل العلاجي الشامل.
المرأة التي قادت التغيير
لم تكن المومني مجرد أستاذة جامعية تؤدي واجباتها الأكاديمية، بل قادت حركة تغيير في مفهوم التعليم الصحي في الأردن والمنطقة. خلال أكثر من 15 عامًا من عملها في جامعة العلوم والتكنولوجيا، شغلت مناصب قيادية مثل عميدة مساعدة وعميدة شؤون الطلبة بالوكالة، وأشرفت على عشرات المبادرات المجتمعية والطبية.
أسست ونفذت عشرات الفعاليات التي تستهدف المجتمع المحلي، من ورشات تعلم المعلمين كيفية كشف اضطرابات التعلم، إلى أيام طبية ميدانية في دور الأيتام والمدارس والمراكز المجتمعية، لتؤكد بذلك أن العلم لا يكتمل إلا حين يصل إلى أضعف الفئات وأبعدها.
عقل بحثي عابر للتخصصات
قائمة منشوراتها البحثية تدهش كل من يطّلع عليها؛ فهي تشمل أكثر من 60 بحثًا منشورًا في مجلات علمية مرموقة تغطي مجالات متنوعة: من الصحة النفسية للاجئين السوريين، إلى قياس الإدراك الحسي عند الأطفال ذوي الإعاقات السمعية، وحتى تأثير موجات الحرارة وتلوث الهواء على الصحة النفسية والمعرفية. إنها تمثل نموذجًا حيًا للباحث متعدد الأبعاد، الذي لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يسعى إلى تقديم حلول قابلة للتطبيق.
مشاريعها البحثية الممولة من جهات محلية ودولية، بما فيها المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة (NIH)، تدل على ثقة المؤسسات العلمية العالمية بمصداقية وكفاءة عملها.
معلمة أجيال وقائدة فكر
تدرّس البروفيسورة فداء عشرات المساقات المتقدمة في العلاج الوظيفي، وتمتاز بأسلوب تعليمي يمزج بين النظرية والممارسة. تقود طلبتها إلى العمل الميداني وتكليفات ترتبط بمشاكل المجتمع الحقيقية، مما يعزز لديهم الحس بالمسؤولية الاجتماعية.
أما على مستوى الإشراف والبحث، فهي تشجع طلابها على خوض غمار قضايا غير نمطية، مثل تأثير التكنولوجيا الحديثة على الإدراك، والعلاقة بين النوم وجودة الأداء الجامعي، وحالات التوحد واضطرابات المعالجة الحسية.
صوت المرأة في مجتمع أكاديمي محافظ
في بيئة جامعية يغلب عليها الحضور الذكوري، كانت البروفيسورة المومني من أوائل النساء اللواتي كسرن القوالب النمطية، ليس فقط بصعودها العلمي، بل بإصرارها على تمكين زميلاتها ودعم الطالبات. شاركت في مؤتمرات نسائية وأكاديمية، وطرحت أوراقًا بحثية حول الأدوار الوظيفية للأمهات ذوات الإعاقات، واحتياجات النساء في الرعاية الصحية.
بصمة محلية واعتراف عالمي
لعل أكثر ما يميز المومني هو قدرتها على أن تكون “عالمة محلية بنكهة عالمية”، فهي لم تنفصل يومًا عن واقع وطنها ومجتمعه، بل وظّفت علمها لخدمة الفئات المهمشة في الأردن: من ذوي الإعاقات، إلى كبار السن، إلى أطفال المدارس في القرى النائية. وفي الوقت نفسه، نجد اسمها حاضرًا في المؤتمرات الدولية وورشات العمل العالمية، وعضويتها في مجلات علمية مرموقة، منها Journal of Dental Research وJournal of Clinical Nursing.
فداء المومني:أكثر من سيرة ذاتية
ليست مجرد ألقاب أو درجات علمية أو أبحاث منشورة. إنها قصة إنسان تجاوز حدود التخصص، وكسر الصور النمطية، وجعل من العلم أداة للشفاء، ومن التدريس فعلًا تنمويًا، ومن البحث وسيلة لتغيير الواقع.
البروفيسورة فداء المومني ليست فقط أستاذة جامعية أو باحثة، بل هي مشروع وطني وعربي متكامل في خدمة الإنسان، بالعلم، وبالقلب.






