مجلة مال واعمال

النمو المخيف لاستهلاك المشتقات النفطية محليا

-

أصبحنا خلال السنوات الأخيرة رهينة لاستهلاك مفرط في الإسراف لمصادر الوقود من المواد النفطية في بلادنا، دون أن نُحرِّك ساكناً، على الرغم من وضوح الرؤية حول الأسباب وتوافر الحلول المناسبة. هذا الغول، الذي هو في طريقه إلى ابتلاع مصدر معيشتنا ودخلنا الوحيد، لا بُدَّ من أن نتصدى له قبل أن يستفحل ويتمادى في استهلاك معظم إنتاجنا من النفط. لقد تحدث الكثيرون من الكتاب والاقتصاديين الغيورين على مصلحة بلادهم خلال السنوات القليلة الماضية حول موضوع الاستهلاك الكبير، وأبدوا من الاقتراحات وأنواع الحلول ما ينوء بحمله الجَمَل. لكن هل حرَّك ذلك منا شعرة؟ أبداً، فنحن ماضون في الطريق نفسه وثقافة الاستهلاك تقول لنا هل من مزيد! فمعظم الحلول التي طُرحت حتى الآن لا تُجدي نفعاً، بل من الصعب تنفيذها دون أن تكون لها ردود فعل غاضبة من عامة الشعب. ففي عام 2011 بلغ الاستهلاك المحلي ما يزيد على 2.4 مليون برميل مكافئ من النفط الخام والمشتقات النفطية والغاز. ولم يعُد سرا أن نسبة لا بأس بها من الوقود تذهب هدراً عن طريق التهريب إلى البلدان المجاورة، نتيجة لتدني الأسعار المحلية في بلادنا. ولم يكن من السهل حتى الآن السيطرة على وسائل التهريب، وآخذة مجراها في وسط النهار بوسائل عديدة ومن الصعب إيقافها. وربما أن تهريب المشتقات النفطية عبر الحدود هو الجزء الوحيد من الاستهلاك الذي علاجه رفع الأسعار لو قُدِّر الله ذلك.

ولعله من حسن الطالع أن نسمع في الآونة الأخيرة تصريحات إيجابية ومُشجعة من مسؤولين لهم وزنهم في مجال الاستثمار في مصادر توليد الطاقة الكهربائية، يُبدون فيها إحساسهم بخطورة الوضع الحاضر وتأثيره السلبي في مستقبل إنتاجنا ومستقبل صادراتنا النفطية. وكان واضحاً من هذا التحرك الجاد أن هناك ما يمكن أن نُسميها خريطة طريق تهدف في الدرجة الأولى إلى إيجاد بدائل من المصادر المتجددة لتوليد التيار الكهربائي، وعلى وجه الخصوص، الطاقة الشمسية التي تحدثنا أكثر من مرة عن مميزاتها الكثيرة لتكون في بداية المراحل الأولى رافدا للمشتقات النفطية، وعلى المدى البعيد تحل محلها لتغطي كامل متطلبات الطاقة الكهربائية في المملكة. ونأمل – إن شاء الله – أن نكون هذه المرة أكثر جدية في طريقة معالجة تلكم القضية المستعصية، التي بكل تأكيد تُؤرق مستقبل ثروتنا النفطية. والمهم في هذا الوقت المتأخر نسبيا أن تكون البداية بحجم المسؤولية، فيتم تنفيذ مشاريع كبيرة لتوليد الطاقة الشمسية لها مردود سريع وتُغطي نسبة كبيرة من كمية الاستهلاك المحلي. وستكون لتوليد التيار الكهربائي بواسطة الطاقة الشمسية في بدايتها أهمية اقتصادية قصوى من أجل أن تُغذي الشبكة الكهربائية وقت الذروة الذي يوافق وسط النهار، وهو قمة عطاء الطاقة المتولدة من الأشعة الشمسية.

وبذلك نكون قد عملنا على توفير جزء من الوقود النفطي، وفي الوقت نفسه، استغنينا عن إضافة محطات توليد تقليدية جديدة مُكلفة، تُستخدم فقط وقت الذروة. وقد أوضحنا في أكثر من مناسبة أن هذا الوقت بالذات هو الأنسب لضخ أكبر مبلغ من المال من الممكن توفيره للاستثمار في بناء مرافق مصادر الطاقة الشمسية، نظراً لوجود فوائض كبيرة من الميزانيات العامة، وهو أيضا أفضل مجال آمن لحفظ نصيب الأجيال من الثروة الناضبة. ونحن – إن شاء الله – متفائلون بأن توليد الطاقة الشمسية المستدامة في هذه الصحراء القاحلة سيكون لها مستقبل زاهر وسيعمل على بقاء الحياة فيها – بإذن الله – على مدى العصور القادمة. وربما يكون لدينا في المستقبل فائض من الطاقة الكهربائية عن الحاجة يتحول إلى مجال التصدير، إذا نحن أبدعنا في تصنيع وتطوير المواد الخاصة بصناعة مرافق الطاقة الشمسية محليا وبأيد وطنية. واستثمار الفائض في تبني تصنيع وإنشاء مرافق الطاقة المتجددة، سيفتح المجال واسعا لتوظف مئات الألوف من الشباب في هذا المرفق الحيوي، إضافة إلى الإمكانات الهائلةً لرجال الأعمال الذين يودون استثمار أموالهم في مصادر الطاقة فيما يعود عليهم وعلى وطنهم بالخير الوفير. ونحن لا نشك على الإطلاق في أن الطاقة الشمسية هي ثروة المستقبل وستكون – بإذن الله – مصدراً للرخاء في هذه البلاد.

وهناك آمال كبيرة في أن تمتد الحاجة إلى مزيد من الطاقة الكهربائية الناتجة من الطاقة الشمسية المُوسَّعة من أجل تسيير قسم من وسائل النقل العام، كخطوط القطارات الكهربائية بين المدن وداخلها، وهو ما سيحِدُّ من استخدام المركبات الصغيرة والكبيرة التي تستهلك كميات هائلة من الوقود النفطي القابل للنضوب، وكونها طرفاً مباشراً في معادلة كثرة الحوادث المرورية. وأول منْ سيُرحِّب باستغلال مصادر الطاقة الشمسية على نطاق واسع هم علماء البيئة، الذين ما فتئوا يحذرون البشر من خطورة الاستمرار في الإسراف في إحراق المواد الهيدروكربونية.

*نقلاً عن صحيفة “الاقتصادية” السعودية.