اكتمال أزمة اليابان المالية

admin
مقالات
admin22 أغسطس 2012آخر تحديث : منذ 12 سنة
اكتمال أزمة اليابان المالية
اراء  - مجلة مال واعمال

هل انتهت حالة الشلل السياسي في اليابان أخيراً؟ إن الاتفاقية الأخيرة والتي جاءت بعد جدل طويل بين الحكومة وأحزاب المعارضة الرئيسة لمضاعفة ضريبة الاستهلاك من 5% إلى 8% في 2014 ومن ثم إلى 10% في 2015 توحي بأن تلك الحالة قد انتهت . لكن هناك مخاطرة حقيقية بأن الحكومة سوف تعتقد وهي مخطئة في ذلك بأن هذا الإجراء هو نهاية عملية الإصلاح، ففي واقع الأمر فإن هذا الإجراء يجب أن يكون بداية عملية الإصلاح.

إن الدين الياباني الرسمي بجميع المقاييس هو الأعلى في العالم . إن إجمالي حجم السندات الحكومية اليابانية المستحقة تصل إلى مبلغ ضخم يصل إلى 9 تريليونات دولار أمريكي أي أقل قليلاً من مبلغ 5 .10 تريليون دولار أمريكي وهو قيمة الدين المستحق على كامل دول منطقة اليورو والبالغة 17 دولة والتي يبلغ عدد سكانها ثلاثة أضعاف سكان اليابان.

إن الوضع المالي الياباني قد أصبح قاتماً لدرجة أن إصدار السندات قد فاق الإيرادات الضريبية منذ سنة 2009 . إن الضرائب تغطي أقل من نصف الانفاق الحكومي . إن الزلزال والتسونامي والكارثة النووية في العام الماضي جعلت الوضع المالي السيئ أكثر سوءا بسبب الحاجة إلى إنفاق مبالغ ضخمة على إعادة الإعمار . لقد أصدرت اليابان رقماً قياسياً من السندات الحكومية خلال السنة المالية السابقة.

بالطبع فإن مشكلات اليابان المالية قد تفاقمت لعقود . لقد انخفضت إيرادات الضرائب السنوية بمقدار 30% منذ ان انفجرت فقاعة العقار سنة 1989 بسب النمو البطيء والانكماش، حيث تم عمل تخفيضات ضريبية كإجراءات تحفيزية خلال فترة التسعينات وهي بدورها لعبت دوراً مساعداً.

إن السبب الوحيد الذي مكن اليابان من استدامة وضعها المالي هو أن 93% من دينها هو دين محلي (حيث يشتري بنك اليابان حالياً نحو ثلث السندات الحكومية اليابانية في كل عام) وبعكس هروب رأس المال الأجنبي والذي أضر بأوروبا كثيرا فإن هناك الكثير من المشترين الأجانب للسندات الحكومية اليابانية مما دفع بأسعار الفائدة إلى خفض مستوياتها على الاطلاق.

كما ان القطاع الخاص الياباني (الناس والشركات) يجلس على جبل من المدخرات والتي تستخدم في أغلبيتها لشراء السندات الحكومية اليابانية ونظراً لأن الحكومة بإمكانها الاقتراض من الشعب الياباني بشكل عام فإن الميزانية العمومية اليابانية لا تزال مستقرة ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار تقدم الشعب الياباني في السن فهل من الممكن أن يستمر ذلك؟

إن العدد الضخم لكار السن والمتقاعدين يعني أن الصرف على العناية الصحية والضمان الاجتماعي يستهلك حاليا 2 .29% من الميزانية أي زيادة بمقدار الثلث منذ سنة 2000 وحتى تستطيع تلبية هذه المتطلبات قامت الحكومة اليابانية بتخفيض الانفاق على التعليم والبحث علماً أن صعود اليابان في فترة ما بعد الحرب كان قائما عليهما . إن المقولة اليابانية الساخرة القديمة بأن اليابان لا تستطيع مقاومة بناء جسور تقود إلى مكان ما ما دامت الحكومة تدفع تبدو أقل انطباقاً على الواقع اليوم . إن الانفاق على الاشغال العامة والمشاريع المخصصة لمجالات معينة قد انخفضت لتصبح 1 .5% من الموازنة لهذا العام مقارنة بنسبة 13% سنة 2000.

بالطبع فإن هناك حاجة لمعالجة النظام الضريبي فكما أن عجز الميزانية الياباني ضخم للغاية بأي مقياس كان فإن من الواضح أن اليابانيين الذين يجنون الدخل يدفعون ضرائب أقل من اللازم وحتى بعد المضاعفة المقترحة لضريبة الاستهلاك فإن المعدل لا يزال نصف نسبة العشرين في المئة أو أكثر والتي تفرضها جميع الدول الأوروبية تقريباً . إن الإيرادات الضريبية الإجمالية هي نحو 27% من الناتج المحلي الإجمالي مما يضع اليابان في المركز الثامن والعشرين من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الخمسة والثلاثين.

يجب على الحكومة أن لا تبالغ في تقدير مقدار الإيرادات التي يمكن جنيها من الزيادة في ضريبة الاستهلاك وأجزاء الميزانية التي يمكن تغطية العجز فيها نتيجة لتلك الإيرادات، كما أن الحكومة قد تجاهلت لغاية الآن أية مخاوف من ان الزيادة في الضريبة يمكن أن يكون لها تأثير سيئ في الاستهلاك وما يترتب على ذلك من تأثير في النمو الاقتصادي.

لقد ذكر هيروميشي شيراكاوا وهو كبير الاقتصاديين في مؤسسة كريدت سويس أ ج في طوكيو أن الزيادة في الايرادات من الزيادة في ضريبة الاستهلاك سوف تبدأ في التبخر قريباً على أن تختفي كلياً خلال 5-7 سنوات . لو كان هيروميشي محقاً فإن هذا يعني أن الزيادة سوف لن تكون أكثر من جزء لا يكاد يذكر من الحل المتعلق بمشكلات اليابان الخاصة بالميزانية.

بالرغم من عقود من المشكلات الاقتصادية لا تزال اليابان ثالث أكبر اقتصاد في العالم، حيث سوف ينمو الاقتصاد بنحو 2% هذا العام و5 .1% سنة 2013 . لو أخذنا بعين الاعتبار الركود الذي يجتاح العالم اليوم فإن هذا لا يبدو سيئاً بالمرة . لكن لو أرادت اليابان التعامل مع معضلتها المالية بشكل فعال فإنها سوف تحتاج لاستدامة نمو أسرع من ذلك.

إن مثل هذا النمو يفترض استراتيجية معتبرة لخفض العجز بشكل تدريجي وهذا يعني خطة تأخذ بالاعتبار حقيقة الزيادة في مجموع المتقاعدين . سوف تحتاج السلطات اليابانية أيضاً إلى اطلاق إصلاحات تحررية جريئة من أجل تحرير جوانب عديدة من الاقتصاد والتي تتم حمايتها من التنافسية . إن هذه الإصلاحات يجب أن تستهدف زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل والدفع بالشركات لعمل مزيد من الاستثمارات في اليابان وزيادة التنافسية في القطاعات المدللة من الاقتصاد.

لو كان هناك بلد ما لديه الأدوات السياسية لعمل برنامج من الإصلاحات الشاملة فإن هذا البلد هو اليابان . لقد أظهر اليابانيون والذين اتحدوا في مواجهة كارثة العام الماضي مرة أخرى انه عندما يتم استدعاؤهم لعمل شيء ما فإن الروح الوطنية بإمكانها عمل المعجزات . يجب أن لا نعتقد ان اعظم جيل في اليابان الرجال والنساء الذين تمكنوا من إعادة بناء بلد حطمته الحرب ليصبح قوة اقتصادية عظيمة غير راغب بالتضحية لما فيه المصلحة العامة فهم انقذوا البلد مرة وهم قادرون على إنقاذها مرة أخرى.

*نقلاً عن صحيفة “الخليج” الإماراتية.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.