تحويل الرواتب إلكترونيا .. والتورط في القروض

آخر تحديث : الجمعة 15 يونيو 2012 - 12:41 مساءً
تحويل الرواتب إلكترونيا .. والتورط في القروض

هل إيداع رواتب الموظفين إلكترونيا يصب بالفعل في مصلحتهم؟ بمعنى ما المزايا التي سيحصل عليها موظفو الدولة نتيجة تحويل رواتبهم إلكترونيا إلى البنوك؟ وللإجابة عن هذا السؤال نحتاج إلى أن نقارن بين الطريقة التقليدية لصرف رواتب موظفي الدولة والطريقة الإلكترونية. قد تستفيد المنظمات والهيئات الحكومية وغير الحكومية من إيداع الرواتب إلكترونيا، فهذا ينظم عملية صرف الرواتب وتتفرغ الجهات المعنية للنواحي التشغيلية والفنية والإجراءات المالية، أما عملية صرف الرواتب فيتم تحويلها إلى من يمتلك القدرة والمهارة في إدارتها بكفاءة وفاعلية. 

إلا أن هناك ثغرة لم تظهر إلا بعد التطبيق ولم تتضح لأجهزة الدولة إلا متأخرة، فقد تسبب هذا الإجراء في تورط الكثير من المواطنين في قروض بفوائد مركبة والتزامات مالية ضخمة تلحقهم حتى بعد تقاعدهم، وما إن يتخلص الموظف من قرض حتى يدخل في قرض آخر.

حتى تتضح لنا الفكرة دعونا نقارن بين ما كنا عليه قبل سنوات عدة عندما كنا نحصل على رواتبنا نقدا من جهاتنا ولا يعلم أحد كم المبلغ الذي حصلنا عليه إلا أمين الصندوق ثم نعلم بعد ذلك كيف نصرفه، وما نحن عليه الآن من وصول رواتبنا إلى حساباتنا في البنوك وكيف تحسبها البنوك بكل دقة ثم تفصل برامجها التمويلية والاستهلاكية بطريقة أسرت بها غالبية موظفي الدولة لعقود.

عندما كنا نقبض رواتبنا نقدا من أمين الصندوق في المصلحة التي نعمل فيها كنا نعد المبلغ مرات عدة ثم نحمله إلى أهلينا نصرف منه وندخر بعضه ونستثمر البقة بطريقة آمنة دون أن يتدخل أحد في إدارة أموالنا أو يعرض علينا مبالغ يصعب علينا ردها. ولم نكن نتورط في شراء سيارة بمئات الألوف أو قرض يفوق ما ندخره في عشرات السنين، بل نتصرف وفقا لما بين أيدينا من أموال. وقد كان أغلبية موظفي الدولة يديرون أموالهم الشخصية وفقا لهذا المبدأ البسيط، ينفقون بعقل، ويستثمرون بحكمة، ويدخرون بصبر.

أما الآن بعد أن تم إيداع رواتبنا في البنوك مباشرة وتخلت عنا جهات أعمالنا، بدأت البنوك تصمم خططها للسيطرة على أكبر قدر ممكن من رواتب موظفي الدولة بدهاء، فالبنوك لا تعرف فقط كم راتبك؟ بل كيف تصرفه؟ وهل أنت من هواة الادخار أم أنك تستنزف كل دانق تملكه؟ البنوك لا تملك فقط المعلومات الدقيقة عن رواتبنا ومدخراتنا، بل أيضا سلوكياتنا المالية وكيفية إدارتنا لأموالنا الشخصية من خلال متابعة تصرفاتنا كمودعين خلال أشهر معدودة. وعندما تحصل البنوك على هذه المعلومات تقوم بتفصيل برامجها التمويلية بناء على ذلك، فلديها برنامج تمويلي لكل موظف، وإن لم يسع إليها الموظف بنفسه فإنها لا تترد في الاتصال به وعرض ما لديها، وهي بذلك لا تحتاج إلى ضمان حقوقها كما كان في السابق من وجود كفيل أو نحوه، فالأمر أصبح ميسرا، فلا يسمح للموظف بتحويل راتبه إلى أي بنك آخر طالما في ذمته قرض لم يسدد، ويظل الموظف أسيرا للبنك ويعمل من أجله طوال حياته الوظيفية دون أن يدري. والأدهى والأمر أن غالبية موظفي الدولة يظنون أن البنوك تنقذهم من أزماتهم المالية وعثراتهم وتتكون مثل هذا القناعة نتيجة عدم إلمامهم بقدر معقول من الثقافة المالية.

وعندما أعرض مثل هذه المقارنة فأنا لا أعترض على تسهيل وصول مستحقات موظفي الدولة ولا أعترض على التطورات الإدارية والمالية، لكنني أشعر بالغبن عندما أرى طريقة البنوك في التعامل مع أموال الناس واستثمار حاجتهم إلى المال وجهلهم بطريقة التعامل معه. كما أن المدركين لمكمن الخطر يظلون مترقبين خائفين مذعورين من أن يزج بهم عنوة في هذه الاستثمارات الوهمية، أما المغفلون فلا يدركون عمق المشكلة حتى تمر عليهم السنوات العجاف عندما يتقاعد بعضهم وينظر إلى الوراء إلى سنوات حياته الوظيفية وطريقته في إدارة أمواله الشخصية فيرى أن ما حصل عليه من أموال لا تخرج عن اقتناء سيارة بالتقسيط أو الحصول على قرض استهلاكي يدفع ثمنه على شكل أقساط بقية حياته، عندها يدرك أنه وقع ضحية ويتذكر عذوبة تلك الأيام عندما كان يتقاضى راتبه نقدا من جهة عمله.

يجب على مؤسساتنا ومنظماتنا الحكومية وغير الحكومية التي تحول رواتب موظفيها إلكترونيا أن تدرس مثل هذا الموضوع جيدا وتأخذ في الحسبان ما يمر به الناس من كوارث مالية، ويجب أن تحمي موظفيها وأن تشترط على البنوك تبصير الناس بطريقة إدارة أموالهم، وإن لم تستجب لذلك فعليها أن تلوح بأنها ستعود إلى الطريقة التقليدية في صرف الرواتب، وأرى أنها أفضل بكثير من الإلكترونية.

*نقلا عن الاقتصادية

كلمات دليلية
2012-06-15 2012-06-15
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

admin