أستراليا.. العصية على الانهيار

آخر تحديث : الإثنين 18 مارس 2019 - 2:24 مساءً
أستراليا.. العصية على الانهيار

قد يكون مصطلح الانهيار الاقتصادي، أبعد المصطلحات عن القاموس الأسترالي، خاصة وأن القارة مصدر رئيسي للمواد الخام والمواد الأولية لمعظم اقتصادات العالم المتقدمة، فضلاً عن كونها وجهة نشطة لسياح العالم. إلاّ أن التذبذب الذي طرأ على أسعار المواد الخام خلال السنوات العشر التي تلت الأزمة الاقتصادية العالمية، كشف بعض عيوب التخطيط الاقتصادي عموماً، وأبرز أهمية التجاوب السريع مع متطلبات الظروف الاستثنائية الخارجة عن تأثير عوامل الدفع المحلية، وهو ما بدا واضحاً في تغير خارطة الأنشطة الاقتصادية في بعض الولايات تبعاً لظروف كل منها سواء منها الموقع الجغرافي أو المكانة على الخارطة السياحية أو حتى شدة تأثرها بمواسم الجفاف مثلاً.

في تاونسفيل، وهي مدينة ساحلية يقطنها 200 ألف نسمة في ولاية كوينزلاند، تتصدر المواد الخام والسلع الأساسية، قائمة النشاط الاقتصادي. وقد أسس أول نشاط تجاري فيها، وكيل شركة تجارية في سيدني يدعى روبرت تاونس وذلك عام 1864 لتسهيل تصدير الماشية من المزارع الضخمة التي تديرها الشركة. إلاّ أن اكتشاف حقل ذهب غني قريب منها بعد بضع سنوات، كان سبباً وراء تطوير المزيد من الأعمال التجارية في ميناء المدينة، وهو أقرب إلى بابو غينيا الجديدة من سيدني، ثم ملأت الأبنية التجارية والسكنية الفخمة، أفق المدينة مع تطور النشاط التجاري فيها بمرور الزمن. وحالياً لم يعد هناك الكثير من الذهب، لكن دورة السلع الرئيسية ما زالت العامل الرئيسي في تطور ثروات تاونسفيل. ويسهم استخراج المعادن مثل النحاس والرصاص والفوسفات والزنك، في المناطق النائية القاحلة الواسعة في كوينزلاند، والتي يتم شحنها إلى المدينة للتصدير، في استمرار عجلة الاقتصاد المحلي في الدوران. أما الأجزاء الداخلية من الولاية التي ليس فيها عمليات تنقيب واستخراج، فتنتشر فيها تربية المواشي. كما تغطي الحقول الخضراء الكثيفة من قصب السكر، السواحل الاستوائية الضيقة إلى الشمال والجنوب من المدينة. وتعبر «قطارات القصب» الطويلة التي تحمل المحصول إلى مصانع المعالجة على الطريق السريع الساحلي، حيث يعالج القصب في ميناء تاونسفيل المزدحم بتصدير السكر والنحاس والرصاص والزنك، أكثر من أي ميناء آخر في أستراليا. وقد شهد مؤخراً انطلاق أول شحنة من الماشية الحية إلى الصين.

في ذروة الطلب العالمي على السلع عام 2013، بلغت استثمارات أستراليا في المناجم الجديدة وحقول الغاز ومرافق التصدير المرتبطة بها 9٪ من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن عندما بدأت أسعار السلع بالهبوط قبل بضع سنوات، تعرض اقتصاد تاونسفيل للركود أيضاً. وتوقفت شركات التعدين عن توظيف عمال «مؤقتين»، وأغلق مصهر النيكل في ضواحي المدينة، ما تسبب في فقدان 800 وظيفة وتراكم 300 مليون دولار من الديون. وارتفع معدل البطالة من 5 ٪ في عام 2013 إلى 9 ٪ في عام 2016، وتعرضت أسعار العقارات لأزمة هبوط حاد.

ومع ذلك، لم يكن الانهيار في أسعار السلع الأساسية هو نهاية تاونسفيل أو أستراليا، بل كان بمثابة حافز للصناعات الأخرى، التي ساعد نموها على تعويض خسائر قطاع التعدين. فقد حفَّز الانخفاض في الاستثمار، البنك المركزي على خفض أسعار الفائدة، وضخّ الأموال في قطاع الإسكان. وحفَّز انخفاض العملة المحلية التي خسرت 40٪ من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي بين 2011 و 2015، المزيد من السياح الأجانب والطلاب الدارسين في أستراليا. كما شجع الأجانب على اقتناص الشقق في سيدني وملبورن بأسعارها المعقولة، ما أعطى المزيد من الزخم لقطاع البناء.

وتعكس أرقام الاستثمارات المتنقلة بين القطاعات الاقتصادية المختلفة تبعاً لحركة العرض والطلب، مدى المرونة التي تعامل بها الاقتصاد الأسترالي مع تقلبات الدورة الاقتصادية. فقد وصل العمل في قطاع البناء إلى القاع في الربع الأول من عام 2012، بعد أن أنجزت شركات البناء، مشاريع بقيمة 20 مليار دولار أسترالي وبلغ السوق حد الإشباع. ثم عاود الارتفاع في الربع الأخير من عام 2017، حيث بلغت قيمة المشاريع المنفذة في القطاع 29 مليار دولار أسترالي. واستحوذ الأجانب على حصة جيدة بعد أن وافق مجلس مراجعة الاستثمار الأجنبي على بيع العقارات السكنية للأجانب والتي بلغت عام 2016 حوالي 72 مليار دولار، صعوداً من 20 مليار دولار عام 2011. وقد بلغت قيمة مشتريات الأجانب من عقارات سيدني وملبورن عام 2016 أكثر من ربع قيمة العقارات المباعة.

السياحة والتعليم

وحصلت السياحة على زخم قوي، مستفيدة من تراجع العملة المحلية وتركيز السلطات المحلية على تطوير أدوات الجذب السياحي. فقد ارتفع عدد الزائرين بنسبة النصف منذ عام 2012 ليصل إلى أكثر من 9 ملايين زائر، وزاد حجم إنفاقهم بنسبة 43٪ ليبلغ إلى 21 مليار دولار أسترالي في السنة المنتهية في مارس 2018، ونشطت حركة السياحة الداخلية بنسب مماثلة. وبات القطاع السياحي خامس أكبر القطاعات مساهمة في الناتج الإجمالي المحلي في أستراليا. واحتل التعليم مرتبة أعلى حيث جاء في المرتبة الثالثة. وبلغ عدد الطلاب الأجانب المسجلين في المؤسسات التعليمية الأسترالية هذا العام حوالي 540 ألف طالب، مقارنة ب 300 ألف طالب منذ خمس سنوات، بحجم عائدات سنوي بلغ 40 مليار دولار أسترالي.

وتستفيد تاونسفيل من كل هذه الاتجاهات، مع تركيزها الخاص على السياحة حيث تستقبل آلاف الزوار القادمين بحراً إلى مينائها الذي ينقلهم بالقوارب إلى الشعاب المرجانية في بحر الكورال.

ويوجد في المدينة أيضاً جامعتان والعديد من معاهد البحوث. ففي العام الماضي، أطلق الفرع المحلي لجامعة جيمس كوك برنامج توسعة بتكلفة 1.9 مليار دولار أسترالي من أجل تطوير الحرم الجامعي، على مدى السنوات العشر المقبلة. وتبلغ نسبة الطلاب الأجانب فيها أكثر من 80%.

وهناك أشكال أخرى للتنويع الاقتصادي؛ حيث تستضيف تاونسفيل جيشًا وقاعدة جوية. وتسعى حكومة الولاية لتطوير طاقتها في مجال الخدمات الصحية في ظل تزايد الطلب الإقليمي على تلك الخدمات. وتنفق الحكومة الفيدرالية المزيد على مشاريع البنية التحتية في جميع أنحاء البلاد لتسهيل مختلف أنواع النشاط الاقتصادي البديل، في إطار خطة التعويض عن دور قطاع المناجم والتعدين في الاقتصاد الوطني.

تقلبات وهزات مرت بسلام

وبقي اقتصاد كوينزلاند، يسير في ركاب الاقتصاد الأسترالي عموماً من حيث تعرضه لتقلبات وهزّات خلال عامي 2014 و2015، إلاّ أنه استعاد عافيته خلال العامين الماضيين ولم تنخفض معدلات نموه السنوي في أي حال عن 2.4%.

أضف إلى ذلك أن قطاع السلع الأساسية لم ينهر كما قد يبدو للبعض. فقد استمرت صادرات السلع في الارتفاع، من حيث الحجم على الأقل. ويعود ذلك جزئياً إلى أن الدولار الأسترالي الأضعف يزيد من جاذبيتها بالنسبة للأجانب. ومما يساعد في صمود القطاع أيضاً، الكفاءة العالية للمنتجين الأستراليين، ما يجعلهم قادرين على تحمل الأزمات خلال فترات انخفاض الأسعار التي تسببت في انهيار منافسيهم.

ويوفر خام الحديد، مثالاً مفيداً بهذا الصدد باعتباره يحتل المرتبة الأولى في قائمة صادرات أستراليا. فقد تسببت طفرة البناء في الصين التي شهدتها العقود الماضية في زيادة الطلب بشكل مطّرد، ما رفع سعر الطن إلى 187 دولاراً أوائل عام 2011. ولكن مع تباطؤ الاقتصاد الصيني، شهد سعر الحديد هبوطاً قوياً حتى وصل إلى 39 دولاراً للطن عام 2017 قبل أن يستأنف الارتفاع حتى مستوى 70 دولاراً للطن. وعلى الرغم من هذا الاضطراب، تضاعفت صادرات أستراليا من خام الحديد إلى 818 مليون طن بين عامي 2011-2017.

جودة إدارة واستقرار

واستفادت الصادرات الأسترالية من انخفاض تكاليف الإنتاج مع التطور المتسارع في تقنيات الحفر والاستخراج. ويتم التحكم في الآلات من المكاتب المكيفة على بعد عشرات الكيلومترات، بينما تنقل شاحنات الدفع الذاتي الخام إلى الكسارات. وفي يوليو/تموز، اختبرت شركة «ريو تينتو» قطاراً بطول كيلومترين ونصف الكيلومتر، ويتألف من 240 عربة شحن وثلاث قاطرات، وهو ما يطلق عليه أكبر روبوت في العالم. وتقول الشركة إن الشاحنات ذاتية القيادة هي أرخص بنسبة 15% من سابقاتها وأسرع بنسبة 20%. ويمكن أن تكون تكاليف العمالة والتشغيل مرتفعة نسبياً في أستراليا، مقارنة مع بعض دول أوروبا وآسيا، ما يشكل عبئًا على الشركات. فعندما أرسلت شركة «زنك كوريا»، فريقاً من الخبراء لتشغيل مصفاتها الخاسرة في «تاونسفيل» منذ خمس سنوات، جاء في التقرير الذي خلص إليه الفريق «كان التفكير في إغلاقها في ذهن الجميع لأن تكرير الزنك هو عملية كثيفة استهلاك الطاقة. كانت تكاليف الطاقة مرتفعة والأجور أيضاً. ويبلغ متوسط أجر العامل العادي 120 ألف دولار أسترالي في السنة. وخلص التقرير إلى أن الطريقة الوحيدة لاستمرار عمل المصفاة هو الشروع في توليد الطاقة.

وقد تم إنشاء مجموعة بدائل منها ما هو شمسي ومنها ما يعمل بطاقة الرياح وتم توليد 125 ميجاواط أو ما يعادل ثلث حاجة المصفاة. واليوم تدرس الشركة الكورية ضخ 300 مليون دولار أسترالي لتوسعة مصفاتها هناك.

وتصنف أستراليا رابع أكبر اقتصاد في العالم، ولكنها تحتل المرتبة السابعة من حيث حجم الاستثمار الأجنبي، الذي لا يزال يتدفق عليها رغم تراجع إنتاجها من المواد الخام والسلع الرئيسية. لعل العزاء في الإدارة الناجحة والاستقرار الاقتصادي.

التغيرات المناخية.. تهديد دائم في بلد تشكل المحاصيل الزراعية وتربية المواشي واحداً من أهم مكونات اقتصاده، تصبح التغيرات المناخية أكثر ارتباطاً بالتخطيط الاقتصادي العام ومستقبل النمو وما يترتب على ذلك من نتائج.

وتتسبب تبدلات المواسم المطرية في تغيير خريطة الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية. وتزداد ظاهرة تصحر السهول نتيجة تناقص كميات الأمطار التي كانت تصل إلى 650 مللمتراً سنوياً في مناطق الاستقرار الزراعي الأولى والتي تتحول تدريجياً إلى سهول رعوية خاصة في الشرق حيث تتناقص كميات الهطول بمعدل 3 مللمترات سنوياً كلما اتجهت ميلاً واحداً باتجاه الشرق.

وتساعد المعدات وتقنيات الزراعة الجديدة الفلاحين على تقلص الاعتماد على المطر، بحيث يمكنهم الاستمرار في زراعة المحاصيل لكن نواتجها تتراجع. ومن المشاكل التي تسبب بها الجفاف أيضاً انتشار حرائق الغابات في الشرق الأسترالي فضلاً عن ارتفاع تكاليف تبريد الهواء بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

وتنتقل مشاكل شح المياه إلى المدن التي تعاني تراجع مخزونات المياه الجوفية كما في مدينة بيرث التي فقدت 80% من مخزوناتها المائية مقارنة مع أعوام السبعينات. وقد اضطرت لإنشاء محطتي تحلية بتكلفة 1.5 مليار دولار أسترالي وفرض قيود مشددة على استهلاك المياه.

وفي كوينزلاند تبدو تأثيرات تغير المناخ أكثر وضوحاً. بدأت ملامح النظام البيئي في واحدة من مئات التشكيلات المرجانية المنفصلة «إيد ريف»، التي تشكل الحيد المرجاني العظيم البالغ طوله 2300 كيلومتر في التغير حيث تغزو نباتات فطرية المياه الضحلة وتحول لونها إلى الرمادي بعد أن كانت تعج بالألوان الزاهية وتستضيف أصنافاً شتى من الأسماك الملونة. وينعكس ذلك على الجاذبية السياحية للحيد المرجاني وبالتالي عدد زوار المنطقة. فقد كشفت دراسة نشرتها شركة «ديلويت» العام الماضي، أن الشعاب المرجانية كانت وراء عائدات زادت عن 6.4 مليار دولار أسترالي عام 2016، ووفرت 64 ألف وظيفة.

بطاقة تعريف * تبلغ مساحة أستراليا ما يقرب من 7.7 مليون كيلومتر مربع، وتعد سادس أكبر دولة في العالم.

* بالنظر لمساحتها الشاسعة يعتبر العدد الإجمالي للسكان صغيراً نسبياً، حيث يبلغ عددهم 24 مليون نسمة (إحصاء 2017) متوقع زيادتهم حوالي مليونين حتى عام 2022.

* أكبر مدينة في أستراليا هي سيدني، تليها ملبورن وبريسبان. ويعيش أكثر من 85 في المائة من السكان في المدن.

* تتمتع أستراليا بمستوى معيشي مرتفع.

ففي عام 2015، احتلت المرتبة الثانية في مؤشر التنمية البشرية، وفي عام 2016 كان متوسط عمر الفرد فيها واحدًا من أعلى المعدلات على مستوى العالم عند 82.5 عام.

* تحتل أستراليا المرتبة الثالثة عشرة بين أكبر الاقتصادات في العالم، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي ما يقارب 1.38 تريليون دولار أمريكي في عام 2017.

* بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 55693 دولارًا أمريكيًا في العام نفسه. ومعدل النمو الاقتصادي السنوي خلال السنوات الخمس الأخيرة هو 2.22%.

* في عام 2017، صدرت أستراليا سلعاً قيمتها 321 مليار دولار أمريكي، أما السلع المستوردة في نفس العام فقيمتها 229 مليار دولار. وأهم شريك تجاري في عمليات الاستيراد والتصدير هو الصين.

2019-03-18 2019-03-18
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

info